منصورة عزالدين: الكتابة فِعل هدم

بدأت منصورة عز الدين (1976) الكتابة في طفولتها انطلاقاً من رغبة خيالية في «إحياء الموتى» بعد وفاة والدها. كانت تعيش في قرية صغيرة على ضفاف النيل حيث تمتزج قصص الجنيات بإيقاع خطوات فرس أبي زيد الهلالي وانتصاراته في أحاديث السّمر، بينما يتخصّص العم في حكاية قصص الأنبياء و«معجزاتهم»، فضلاً عن الشعر والتراث العربيّين. هكذا كانت «الحكايات» و«النيل» أشبه بجناحَين لخيالها.

ومن القرية الصغيرة إلى القاهرة؛ حملت عز الدين حكاياتها وأسئلتها معها، تطوّر شكل الحكاية في مجموعاتها القصصية: «ضوء مهتز» (2001)، «نحو الجنون» (2013)، «مأوى الغياب» (2018)، فيما كبرت الأسئلة في أعمالها الروائية: «متاهة مريم» (2004)، و«وراء الفردوس» (2009)، و«جبل الزمرد» (2014)، و«أخيلة الظل» (2017)، و«بساتين البصرة» (2020)، وأخيراً «أطلس الخفاء»، كما خاضت مغامرة في كتابة أدب الرحلات في «خطوات في شنغهاي» (2021).

تقف منصورة اليوم وخلفها حوالى ربع قرن من الكتابة والتجريب، والكثير من الجوائز والتكريمات، وجواز سفر ممتلئ بالرحلات والإقامات الأدبية، لكنها لا تزال تنظر إلى الكتابة بشك التجارب الأولى، وتريد التمرد على نفسها والتخلي عن أدواتها المعتادة، ببساطة لأنّ الكتابة بالنسبة إليها وسيلة لرؤية نفسها والعالم بشكل أفضل.

منصورة عز الدين: أنا مهتمة بالخرائط وكيف تتحكم الجغرافيا بنا وبمصائرنا

تهتمين بالأماكن والجغرافيا، فتكتبين عن الأطلس كشاغل كبير ومحرك مركزي للأحداث. نجد آدم في «أخيلة الظل» وهو يحدّق بأطلس العالم (الحقيقي) بحثاً عن مسقط رأس جدته، بينما يشيّد مراد في «أطلس الخفاء» خريطته الخاصة للتعرف إلى نفسه كفكرة لقضاء وقت ما بعد التقاعد.. فما الذي اختلف بين الأطلسَين؟
ـــ هذه ملاحظة ذكية. آدم كان يحاول تتبع مسار جدته اللاجئة من المذابح العثمانية حتى وصل بها الحال إلى أن تكون مواطنة أميركية، خصوصاً أنّ الجدة ترغب في دفن هذا الماضي، وكأنه يحدِّق في أطلس للعنف، بينما مراد يُعيد تشييد حياته والعالم من خلال تدوين أطلس خيالي. وبشكلٍ شخصي، أنا مهتمة بالخرائط وقسوتها وكيف تتحكم الجغرافيا بنا وبمصائرنا. فالجغرافيا وهي السبب الرئيسي للحروب والانقسامات، كأنها تتلاعب بالتاريخ، فيتبعها مدوّناً ما يترتب على ما تخلقه وتتسبّب فيه.

تصفين رحلة مراد في «أطلس الخفاء» لتدوين استبصاراته بأنه «تنازعته مشاعر الحماس والوجل»، فكيف تتعاملين مع حماس الكتابة ووجلها؟
ـــ الحماس مقدور عليه، بل هو دافعي الأول للقيام بأي شيء. أنا من الشخصيات المتحمسة حتى لأشياء عادية، ربما يزول الحماس سريعاً، لكنه لا يزول في ما يخص الكتابة لأنها أسلوب حياة وطريقة لرؤية العالم بالنسبة لي. أما الوجل فموجود دوماً في كل ما يخص الكتابة من تفاصيل، والفكرة في كيفية التعامل معه لترويضه وتحجيمه، ويحدث هذا بإقناع نفسي بأنني أجرب يدي في منطقة جديدة، ولن أنشر ما أكتبه بالضرورة، ما يقلل التوتر والضغوط فأكتب وكأنني ألعب. لكن يظهر الوجل بشكل جحيمي بعد الانتهاء من العمل وأثناء تنقيحه استعداداً للنشر، فهذه أصعب فترة عندي، ويكون الأمر أصعب عندما أعيد قراءة عمل لي قبل إصدار طبعة جديدة منه لأنني أكون مقيدة بالتعديل والإضافة.
يظهر الوجل أيضاً لحظة التعرّض، في منتصف الكتابة، لإغراء السلوك في طريق آخر وهدم ما سبق أن كتبته، تلك اللحظة المليئة بالشكوك تكون مرهقة، لكنها جزء من متعة الكتابة رغم ذلك.

لا أحب الفانتازيا الخالصة لأنّها أقرب إلى ألعاب في الفراغ

حدث تحول مهم في لغتك بدءاً من «جبل الزمرد»، كما أن اللغة كانت لاعباً أساسياً في «بساتين البصرة».. كيف تفكرين في اللغة أثناء كتابة النص؟
ــــ هناك جزء فطري وغير مفكَّر فيه في العلاقة باللغة وفهم منطقها وتذوق جمالياتها. أما الجزء الآخر فهو مكتسب من خلال القراءات المتنوعة والوعي المكتسب بفقه اللغة وجمالياتها.
منذ بدأت الكتابة وأنا أولي عناية كبيرة للغة، وأسعى لأن تكون معبّرة عن طبيعة العمل الذي أكتبه، في مجموعتي القصصية الأولى «ضوء مهتز»، كانت القصص كلها في مساحات بينية بين الحلم والواقع. وبالتالي، كنت أبحث عن لغة لا تقول بقدر ما توحي، لغة مراوغة حمّالة أوجه. كنت واعية بذلك أثناء تحرير النص، إذ تعمّدت تظليل كل الجّمل التي ترجّح احتمالاً ما على آخر بشكل واضح للعودة إليها لاحقاً. حدث ما يشبه هذا أيضاً في «متاهة مريم». وفي «وراء الفردوس»، حرصت على تجاور مستويات لغوية مختلفة، بعضها ينتمي للمحكية بدرجاتها المتنوعة، وكان في ذهني أن الحوار بين هذه المستويات المتجاورة يخلق درجة ما من الشعرية غير المألوفة.
أما في ما يخص «بساتين البصرة»، فقد انتهيت من كتابتها خلال إقامة أدبية في شنغهاي في تشرين الأول (أكتوبر) 2018. وبعد ذلك، استمر اشتغالي على اللغة والتنقيح الأسلوبي حتى الأشهر الأولى من 2020؛ لأنني كنت مدركة أن اللغة هي البطل في هذا النص تحديداً. لهذا خصّصت لها كل هذا الوقت.

لكن عليّ التذكير بأن ليس كلّ شيء في الكتابة مفكَّر فيه وناتج عن قرارات واعية، لأن الكتابة الجيدة من وجهة نظري هي التي تخون الكاتب وتراوغه وتذهب إلى مقاصد أبعد من مقاصده. فالنص الجيد يمتلك لاوعياً خاصاً به يفاجئ الكاتب نفسه. حين يُعيد الكاتب قراءة النص، قد يكتشف ما يفهم من خلاله نفسه وانشغالاته، وربما حتى العالم بطريقة مختلفة.
ينطبق هذا أيضاً على اللغة، فهي خوَّانة بطبيعتها، بل لعل أفضل ما فيها قدرتها على خيانة الكاتب والاستقلال عنه وعن مقاصده.

لكن «أطلس الخفاء» انتهى أيضاً في أيلول (سبتمبر) 2018 بحسب ما ذيّلت نصها. هل كتبت الروايتين في الوقت نفسه؟
ــــ نعم، «أطلس الخفاء» كُتبت بالتزامن مع «بساتين البصرة» لأنها بدأت كجزء منها، فشخصية مراد، بطل «أطلس الخفاء»، كانت من شخصيات «بساتين البصرة»، لكنني في مرحلة معينة من التنقيح، شعرتُ بأن الجزء الخاص به يمثل عبئاً على الرواية. كما أن الشخصية ثرية تستحق أن تُكتب في «نوفيلا» مستقلة. وهذا يفسر سبب كتابة الروايتين في الوقت نفسه.

تتحدثين عن علاقتك باللغة العربية منذ الطفولة وعن اهتمامك بالتراث العربي، ألم يشكل ذلك عائقاً في التعبير بلغة عصرية في مرحلة ما، خصوصاً أن تلك العلاقة باللغة ربما تجعل أغلب المرادفات التي تدور في رأسك محصورة بمعجم محدّد؟
ـــ على الإطلاق، وهذا واضح في كتابتي بتعدد مستويات اللغة فيها ومناسبة الأسلوب اللغوي لطبيعة كل عمل ومضمونه. الفكرة أنني أقرأ التراث العربي بحب واستمتاع ورغبة في اكتشاف طبقاته المتعددة الثرية. ولا أفعل هذا بغرض المحاكاة، ولم أشتبك معه إبداعياً سوى في «جبل الزمرد» و«بساتين البصرة». وفي المرتين، حدث هذا على مستوى أبعد من مستوى اللغة. الحرص على عدم محاكاة اللغة التراثية كان واضحاً في «بساتين البصرة»، بأساليبها اللغوية المختلفة، ففي الأجزاء الخاصة بالبصرة القديمة، لم أرغب في محاكاة اللغة التراثية، بل في إضفاء مسحة كلاسيكية ما على لغتي وتطعيمها بصياغات ومفردات تدل على هذا الزمن من دون تقليد لغته. رغبت فقط في الإيحاء بمستوى سردي أكثر جزالة من المستوى السردي المعاصر.

أثناء عملك على رواية، متى تنتهي مرحلة التخطيط للأحداث والشخصيات ويفاجئك النص؟
ــــ كل رواية تُكتَب بطريقة خاصة بها، وتتمثل مهارة الكاتب في الوصول إلى الطريقة المثلى لكتابة الرواية التي يعمل عليها. بدأت كتابة روايتي الأولى «متاهة مريم»، بتدوين ملاحظات كثيرة وملفات عن الشخصيات والأحداث. ورغم هذا الإعداد والتخطيط المسبق، سرت خلف شخصيات العمل ومنطقه، وتحررت من كثير مما سبق وخططت له، فعملية الكتابة نفسها تنير للكاتب ما خفي عليه وتنبّهه إلى جوهر عمله. المهم أن يجيد هو الإنصات والرؤية. «متاهة مريم» تضمنت لغزاً ما للخروج من المتاهة التي وجدت البطلة نفسها فيها، وتوقفت لفترة للتفكير في حل لهذا اللغز، ثم اكتشفت أن الحل موجود في قصة كتبتها بالتزامن مع كتابة الرواية.

«متاهة مريم» محاولة غير مباشرة لكتابة التاريخ الاجتماعي والثقافي المصري منذ ثورة يوليو 1952

كأن هذه القصة كانت جزءاً من الرواية من دون أن أدري، وقد حدث هذا لأنني وقت كتابتها كنت مشغولة ذهنياً بـ «متاهة مريم»، لذا حتى ما ظننته بعيداً عنها من كتابة، كان في صميمها.
هناك أعمال أخرى لم يسبقها تخطيط، إنما نبعت من عبارة مبهمة أو مشهد بصري ألهمني البدء في الكتابة، مثلما حدث مع «مأوى الغياب»، التي دوَّنت في يومياتي على هامش كتابتها: «أكتب كالمأخوذة. نص يولد من آخر. لا أعلم إلى أين يقودني شلال الكلمات، لكن استمرار الكتابة وحده هو ما قد يمنحني العلامات المرجوة».

ذكرت أنّ «أطلس الخفاء» كانت جزءاً من «بساتين البصرة»، كما وجدت حلّ «متاهة مريم» في قصة قديمة… هل تتفقين مع أن الكاتب يكتب نصاً واحداً طوال حياته؟
ـــ هذا سؤال صعب لأنّ الأمر يختلف من كاتب إلى آخر. هناك انشغالات أساسية لكل كاتب، وربما أحياناً نجد نصوصاً كأنها طريقة أخرى لكتابة نص سابق للكاتب نفسه.
في حالتي، لا أرى أنه نصّ واحد بل انشغالات متصلة. بمعنى لو أنني مشغولة بفكرة «الحياة المحكومة بالموت» مثلاً، ستكون صدمة الانتهاء والموت كشرط للوجود، ظاهرة بصور مختلفة في أعمالي. كل نص يحمل انشغالات عديدة خاصة به تتغير من عمل إلى آخر، لكن هناك أيضاً انشغال ثابت كأنه عمود فقري رابط. وبالتالي هناك مراحل مختلفة لكل كاتب يكتب على مدار فترة زمنية طويلة.
في بدايتي مثلاً، نجد أن سطوة العائلة على الفرد وابتلاعها له كانت أساسية في «متاهة مريم» و«وراء الفردوس»، سواء العائلة بمعناها الحرفي أو المجازي ممثلاً في المجتمع ككل. بعد ذلك في «جبل الزمرد»، نجد الاشتباك مع «ألف ليلة وليلة». ثم عدت إلى فكرة العائلة بطريقة مختلفة في «أخيلة الظل» من خلال علاقة كاميليا بالأب والأم، وكان سؤالي الرئيسي عن العلاقة المضطربة بالعائلة: كيف يمكن للقهر أن يكتسي بثوب الحنان؟ وكيف أنّ العنف غير المباشر في التربية يلعب دوراً في تحديد مسارات الفرد طوال العمر؟ لكن هل فكرة سطوة العائلة هي أساس هذه الأعمال؟ لا، بل إنّها ليست ما تتمحور حوله كتابتي التي تنشغل بالشكل والبنية الروائية والتجريب بقدر ما تنشغل بالمضمون.
المثالان المذكوران في سؤالك، أمرهما مختلف، القصة لم تكن قديمة وقتها، بل مكتوبة بالفعل خلال فترة كتابة «متاهة مريم»، وبالتالي ليس مستغرباً أن تنتمي لعالمها وتكون قطعة البازل المفقودة فيها. أما «أطلس الخفاء» و«بساتين البصرة»، فهما وجهتا نظر مختلفتان لهذا النوع من المعرفة الغنوصية أو فكرة القدرات المفارقة للواقع في الشخصيات كالشعور بأنك ترى ما لا يراه الآخرون أو أنك متواصل بشكل أو بآخر مع ما يفوق حدود الواقع. لكن لكل رواية منهما بنيتها الخاصة ولغتها المختلفة وعالمها المغاير للأخرى.

عندما نضع رواياتك بجوار بعضها، نجد أنه بجانب هواجسك الشخصية وأسئلتك التي تطرحينها خلالها، فإن طريقة تناول الحكاية وشكلها يشغلانك دائماً.
ـــ كغيري من الكتّاب، أكتب انطلاقاً من انشغالات وأسئلة تخصني، لكن هذا لا يعني أن الهواجس الشخصية والأسئلة المطروحة من جانب الشخصيات هي هواجسي وأسئلتي، فلكل شخصية انشغالاتها وهواجسها المختلفة. انشغالاتي ليست في المكتوب، بل في المخفي بين سطور العمل. وبالعودة إلى سؤالك، أنا مشغولة بالتجريب وبالشكل الروائي منذ بدايتي، وأرى أن لا انفصال بين الشكل والمضمون، فكلما كان الشكل متناغماً مع المضمون، أشعر بأنني في الطريق الصحيح للكتابة. وهذا يعني عدم الركون لشكل واحد، فالأهم عندي ليس حكي حكاية ما، بل كيفية حكيها. وكثيراً ما أعمل على بناء العمل في مرحلة متقدمة من كتابته، بعد المسوّدة الأولى أو الثانية حتى. قد أبدأ كتابة رواية بمشهد ما، ثم أعثر على المشهد الافتتاحي مع جملة النهاية أو في منتصف الكتابة مثلاً.
وهذا بالضبط ما حدث معي أثناء كتابة «وراء الفردوس» حيث عثرت على المشهد الافتتاحي عندما وصلتُ إلى منتصف كتابة المسوّدة الأولى. وحين انتهيت من المسوّدة، أعدت الكتابة من جديد بداية من ذلك المشهد. تطلّب هذا هدم ما سبق أن كتبته والاشتغال عليه مجدداً. لذلك الكتابة عندي فعل هدم بقدر ما هي فعل بناء، أو هدم من أجل إعادة البناء. وفي أثناء كتابة «جبل الزمرد»، ظهرت شخصية «بستان البحر» كشخصية هامشية في البداية، لكنني لاحظت أنها تنطوي على ثراء كبير، فتوسعت في كتابتها، ثم وجدت أنها الأنسب للوصل بين زمنَي الرواية (الجزء الغرائبي والجزء الواقعي)، وأصبحت هي الراوي والبطل الأساسي. هكذا أسير خلف ما يقترحه عليّ النص، ولا أخشى الهدم لاستكشاف سيناريو محتمل. لذلك غالباً ما يكون لديّ أكثر من نسخة للرواية نفسها.
في المقابل، أحب أن أتمرد على نفسي والخروج عن مناطق الراحة الخاصة بي. أعمل حالياً مثلاً على فكرة تخلو من هذا الانشغال بالبنية، كما تخلو من التخييل، كنوع من التخلّي عن الأدوات التي اشتهرت بها أو صارت سمات أسلوبية لكتابتي. ويمكن اعتبار أن «أطلس الخفاء» كانت محاولة لفعل هذا بدرجة ما، حيث البناء فيها بسيط، بعيداً عن البنية المركبة الموجودة في «أخيلة الظل» أو «وراء الفردوس» مثلاً، والأحداث خافتة ويومية. لكن هل يستطيع الكاتب الخروج بالكامل عن ذاته؟ لا أظن هذا، لكن مثل هذه التحديات تتيح له رؤية نفسه والكتابة في ضوء مغاير.

الأحلام جزء مهم وحاضر بقوة في مشروعك كأنك تستثمرين الخيال أو بوابة الأحلام لاختبار الأفكار الكبرى أو كوسيلة لرؤية «العالم في حالته الشذرية» أو اختبار حقيقة اللحظة الحاضرة بقياسها على ما تسميه «الجغرافيا الأصلية للعالم».
ــــ أنا مهتمة بالأحلام، وأحلم كثيراً جداً وأدوِّن أحلامي أولاً بأول. كما أحاول تفحّص الإمكانات أو الاحتمالات الفنية الموجودة في تلك الأحلام وإلى أي درجة يمكنني الإفادة منها في الكتابة، وما الذي يمكنها إضافته فنياً إلى الواقع. أهتم أيضاً بكتب تأويل الأحلام في الثقافات المختلفة أو انطلاقاً من علم النفس. أتعامل مع كتاب «تفسير الأحلام الكبير» المنسوب لابن سيرين على أنه عمل إبداعي وليس كتاباً في تفسير الأحلام. قرأته أثناء دراستي الجامعية حيث لفت نظري عند بائع الجرائد على الرصيف في وسط القاهرة، وأعود إليه كثيراً من وقتها.
وأفدت منه في روايتي «وراء الفردوس»، وهناك إشارة لبعض أحلامه في هوامش الرواية. كما عدت إليه بطريقة مغايرة في «بساتين البصرة» عبر حلم «الملائكة التي تجمع الياسمين من بساتين البصرة». وهذا الحلم كان مغوياً بالنسبة إليّ رغم أنه عابر وقد لا ينتبه إليه كثيرون إن قرؤوا كتاب ابن سيرين. و«أخيلة الظل» بدأت كحلم، كنت قد دوَّنته على الفايسبوك، وعلّق بعض الأصدقاء بأنه فكرة رواية، لكنني استبعدت هذا في البداية، ثم بعد أشهر قليلة بدأت في كتابة الرواية بالفعل.

في أعمالك التي تبدو خيالية، غالباً ما نجد حكاية اجتماعية معاصرة وإسقاطاً واضحاً على واقعنا القريب كحكاية جبريل في «أطلس الخفاء»؟
ـــ لا أحب الفانتازيا الخالصة، إذ تكون أقرب إلى ألعاب في الفراغ. وبالنسبة إليّ، فاللجوء إلى الغرائبي هو محاولة لفهم الواقع، والانغماس في ألعاب فنية. وهو لا يعني عدم الاشتباك مع ما يحدث حولي، فرواية تجريبية كـ«أخيلة الظل» هي في الأساس عن مجاز المذبحة والانهيار، و«مأوى الغياب» بكل غرائبيتها خارجة من رحم الجحيم الأرضي المعيش والمدن التي تُسوَّى بالأرض في الواقع. وفي «وراء الفردوس» كان تجريف التربة الزراعية محوراً من محاور الرواية، و«متاهة مريم» التي تتماس مع الأدب القوطي، هي محاولة غير مباشرة لكتابة التاريخ الاجتماعي والثقافي المصري من وقت ثورة يوليو 1952 حتى الوقت الذي تدور فيه الرواية.
وبالتالي أنا لست ضد الاشتباك مع قضايا الواقع، بل أراه ضرورياً، بشرط أن يحدث هذا بشكل فني، بما يتناغم مع منطق العمل بحيث تصبح العناصر الغرائبية مغزولة في هذا الواقع ومنغرسة فيه، أي أنّ الفكرة تكمن في كيفية تحويل هذه القضايا لتصبح خادماً للفن لا العكس. فجماليات الفن الروائي هي الأساس، ومن المهم تطويع كل شيء لخدمتها لا الانسياق وراء أن تقول رأيك بشكل خطابي، فالتعبير عن الآراء المباشرة مكانه فن المقال لا الرواية.

منذ مجموعتك الأولى، نجد حديثاً عن البيت القديم والعالم الأول وأبراج الحمام والكثير من مفردات الحنين إلى الماضي. لذلك سؤال الزمن لا يمكن تجاهله في أعمالك.. هل تعتبرين كل ما هو قديم كـ«أصل» أو «أصيل» أم أنّ الزمن أحياناً يضفي قيمةً على شيء زائف؟
ـــ كتابتي أبعد ما تكون عن الحنين إلى الماضي لأن النوستالجيا مضلّلة. على العكس في كثير من أعمالي، فالماضي هو مكمن الداء، ومشكلات كثير من الشخصيات تبدأ من طفولتها وماضيها. لكن في المقابل، أرى أنّ من أدوار الكتابة «الإمساك بالزائل» وإعادة بعثه للعالم بطريقة ما. أتعامل في الإبداع مع المفقود والزائل، ليس بدافع الحنين ولكن رغبة في الاستحضار من أجل الفهم والتأمل، خصوصاً أنّ الكتابة بدأت عندي برغبة طفولية في إحياء الموتى واستعادتهم عندما توفي والدي وأنا في التاسعة من عمري، فرحت أتخيل سيناريوات أعيده بها إلى الحياة.

كيف تطور مفهوم الكتابة لديك على مدار حوالى 25 سنة؟
من واقع هذه السنوات، ألاحظ أنه كلما طالت علاقتك بالكتابة؛ يقل ما تعرفه عنها وتصبح الأسئلة أكثر من الأجوبة. وأنت شاب، تكون لديك وجهات نظر صارمة أشبه بالمانفيستو، وتكون حاداً في مفهومك عن الكتابة الجميلة ورؤاك الجمالية والفنية. لكن مع الوقت، تبدأ في مساءلة مفاهيمك وأفكارك، ثم تشعر بأن ما لا تعرفه أكثر مما تعرفه، وتتعلم الجديد مع كل عمل تكتبه.
خلال الكتابة، تكون كمن يمشي في الظلام أو الضباب، تتلمس خطاك حائراً، أي أن الكتابة، في جوهرها، حيرة معرفية أمام الوجود وحيرة حتى في مواجهة طرق الكتابة نفسها.
وهناك نقطة أخرى، أن الكاتب يمكنه الحكم على أعمال الآخرين بذكاء، لكنه قد يصل إلى مرحلة العماء أمام أعماله، فإما أن يبالغ في تقديرها، أو يبالغ في التشكك فيها والتساؤل عن قيمتها وقدرتها على البقاء. ويحضرني هنا ما كتبه الجاحظ في «البيان والتبيين»: «فلا تثق في كلامك برأي نفسك؛ فإني ربما رأيت الرجل متماسكاً وفوق المتماسك، حتى إذا صار إلى رأيه في شعره، وفي كلامه، وفي ابنه، رأيته متهافتاً وفوق المتهافت». لهذا أرى أن حياة الكاتب تبدأ بعد رحيله، حين تقف أعماله وحدها في مواجهة القراء، بعيداً عن حضور مؤلفها وتأويلاته لنصه وتفاعله مع الآخرين.

ككاتبة وصحافية مهمة، كيف ترين المشهد الثقافي الحالي والصحافة الثقافية في مصر الآن؟
ـــ المشهد الثقافي صاخب أكثر مما ينبغي. هناك أعمال كثيرة من دون فرز نقدي، لكن هناك ثراء أيضاً، وأظن أن الزمن وحده كفيل بالفرز. كما يشهد سوق النشر الأدبي ازدهاراً كبيراً. أما الصحافة الثقافية، فوضعها صعب كحال الصحافة كلها، وهذا يمتد إلى الوطن العربي كله. الصفحات الثقافية أصبحت قليلة، وهناك ملاحق ثقافية كثيرة اختفت.

أخيراً، ما الكتب التي ترجعين إليها بشكل دائم؟ وماذا تقرئين الآن؟
أقرأ حالياً «غيرة اللغات» لأدريان ن . برافي، من ترجمة رامي يونس (أمارجي)، ومستمتعة به جداً، وهو عمل مهم عن الكتابة بلغة غير اللغة الأم والعلاقة بين اللغات المختلفة.
وأعود إلى الجاحظ على الأقل مرةً سنوياً، كما إلى «ألف ليلة وليلة» وكافكا وبورخيس. أنوي قريباً إعادة قراءة أعمال دوستويفسكي. أما الشعر، فلا بد من أن أبدأ يومي بقراءة الشعر عموماً والمتنبي أو طرفة بن العبد والمعري بشكل خاص. أخصص أحياناً وقتاً للعودة إلى شاعر معين لقراءة أعماله، عدتُ أخيراً مثلاً إلى عنترة بن شداد وعمر بن أبي ربيعة.

المشهد الثقافي صاخب أكثر مما ينبغي

نشر في جريدة الأخبار اللبنانية (ملحق كلمات)، السبت 28 مايو 2022

أحمد الفخراني: الرواية باتت وصفة جاهزة

الكتابة بالنسبة إلى أحمد الفخراني (1981) حرفة تقتضي «الاستماع الجيّد لصوت الحكاية وإدراك شكلها وبنيتها الفريدة». ليست وصفة مجرّبة يتّكئ عليها؛ هكذا تتفتّح الرواية أمامه كطريق/ مغامرة يكتب ويُعيد الكتابة حتّى يصل إلى الشّكل الأمثل. تخرّج الروائي المصري من كليّة الصيدلة، لكنّه قرّر دخول عالم الكتابة من بوّابة الصّحافة في 2007؛ العام نفسه الذي أصدر فيه مجموعته الأولى في شعر العامية «ديكورات بسيطة»، ثم هرب سريعاً من الشعر إلى كتابة البورتريه «في كلّ قلب حكاية» (2009). منذ عشر سنوات، قرّر أن «يفتح باب الخيال»، ليصدر مجموعته القصصيّة الأولى «مملكة من عصير التفاح» (دار نهضة مصر ـ 2011) تضمنّت قصّة حملت اسم روايته الأولى «ماندورلا» (2013)؛ كانت هذه البداية الحقيقيّة لتجربته الروائية التي تتضمّن حتى الآن: «سيرة سيد الباشا» (بيت الياسمين ـ 2016)، «عائلة جادو: نص النصوص» (العين ـ 2017)، «بياصة الشوام» (العين ـ 2019) وأخيراً «إخضاع الكلب» (الشروق ـ 2021). اعتمدت عوالم رواياته الأربع الأولى على الفانتازيا والخيال، لكن في «إخضاع الكلب» نجد للواقع مساحة أكبر، فهل نُرجع ذلك للخبرة أم أنه تمرّد على مشروعه ومحاولة للخروج من الثيمة التي تسم الكثير من الروايات الجديدة؟ هذا السؤال وغيره يشكّل محور لقائنا بالكاتب المصري.

أرجع دوماً إلى «دون كيشوت». أجد فيها التقنية بشكلها البدائي والأساسي

حكاية رجل وكلب… كيف تشكّلت فكرة «إخضاع الكلب» في رأسك؟
ــ تكوّنت الرواية من طبقات كثيرة، آخرها ظهور صورة الكلب في رأسي. على مدار سنة، كنت أكتب عن فكرة تشغلني حول طبيعة العلاقة مع الآخر والشرّ وكيفية التعامل معه. ظهرت تلك الأسئلة مبعثرة في نصوص أو مسوّدات غير مكتملة. كما كتبت قصة قصيرة بعنوان «الرجل الذي محا الشر» محمّلة بتلك الأفكار، لكن كلّ ذلك لم يكن كافياً لكتابة رواية. كنت أحوم حول الفكرة إلى أن ظهرت في رأسي صورة لرجل يضرب كلباً للمرة الأولى، وكانت هذه اللّحظة التي قرّرت فيها كتابة الرواية، ولا أعرف ماذا سيحدث بعد ذلك. لكنني أدركت أن هذه الصورة كانت بمثابة الحجر الناقص.

يعني أنّك تفاجأت بكثير من أحداث روايتك؟
ــ هناك الكثير من الجمل التي لا أعرف كيف كتبتها. فاجأني أثناء التّحرير مثلاً إحساس البطل بغياب ثقته بجسده كأثر للخيانة، ولحظات وصف شعوره عندما قرّر ضرب الكلب والتحوّل الذي يحدث داخله. وعندما كتبت «الكلبة البيضاء المرقطة»، كنت أسير خلف حدسي دون معرفة إلى أين سيقودني. أثناء الكتابة أيضاً، لم أكن أعرف ماذا يمثّل الكلب، كنت في مرحلة أن أختار الحكاية أولاً. وأظن أن الأهم من الأفكار بالنسبة للرواية هو الحكاية. أما الدّلالات فتتكوّن من الإخلاص في هذه الحكاية. تفاجأت بأفكار تدور في رأسي تُضيف أبعاداً للبطل كونه مصوّراً «رجل يسعى لتصوير الشر»، أيضاً حذفت الأجزاء الخاصة بالعائلة، وقرّرت إبقاء الكلب بدلاً من الصديق. جميعها كانت مفاجآت لخدمة الحكاية بشكل أفضل. عموماً الوعي واللاوعي منطقة مراوغة في الكتابة.

سؤال الشرّ واختبار المبادئ حاضر في الرواية، لماذا اخترت الخيانة كخطيئة حاضرة تنوب عن كل الشرور؟
ــ لم أختر أي نوع من الخيانة، فالخيانة الزوجية مع صديق تجمع الكثير في دلالتها سواء في الحب أو الصداقة أو الأبوّة. والكلب في الناحية الأخرى معادل لهما.
لكن الأشياء لا تأتي بهذا الشكل المنطقي المرتّب، أكتشف ذلك أثناء الكتابة. ومع التّحرير أختبر صحّة خياراتي. لا أخطّط للعمل قبل الكتابة، ولكنّني أخطّط أثناء عملية الكتابة نفسها، وهذا ما تعلّمته من تجربتي في «بياصة الشوام»؛ فأنا أكتب وأعيد الكتابة، ما يجعلني أستعيد الخطة في ذهني وأعدل الطريق بينما لا يزال يتشكّل عبر مئات من القرارات الصغيرة السابقة على عملية تحرير المسودّة الأولى.

عندما نضع رواياتك جوار بعضها، نجد أنه بجانب هواجسك الشخصية وأسئلتك التي تطرحها خلالها، فإن طريقة تناول الحكاية وشكلها يشغلانك دائماً
ـــ في كلّ عمل، أشعر باختبار الكتابة وسؤال الشّكل للمرة الأولى، حتى يتولّد الشكل من الحكاية نفسها وبنية النص وتشكّل الشخصيات. وفي رأيي أن أزمة الرواية في العالم كلّه أنها أصبحت وصفة محفوظة لأنها أكثر شيء تمّ شرحه. وهذه الوصفة يمكن أن تخرج منها رواية ناجحة. لكن الأمر مخيف. الجمهور يذهب الآن إلى رواية سهلة وغير متعبة، وصارت هناك جوائز لهذا النوع من الروايات. فكيف سننتج أدباً جيداً وسط كل هذه المعايير والوصفات الجاهزة؟

لكنك مشغول بالكتابة كـ«صنعة» وهو ما ظهر أخيراً من حلقات «استكشاف النمط الفريد» التي تنشرها على موقع «مدى مصر». ألا يمكننا اعتبار ذلك استحضاراً لوصفة أو تأثيراً على تلقائية الكتابة؟
ــ أكتب سلسلة من المقالات عن فنّ القصة القصيرة، والغرض منها ليس القول بأنّ هناك قواعد للكتابة؛ لكن كي أُظهر أنّ لكل قصة نمطاً خاصّاً بها. كيف أكتشف ذلك النمط وأتعلّم منه عندما أحتاج؟ وكيف أخلق النمط الخاص بي؟ هذا عكس استحضار وصفة بعينها للكتابة باعتبارها الأكثر نجاحاً وانتشاراً بين الجمهور. وبالمناسبة الحرفة عكس الوصفة، فالحرفة هي الاستماع الجيّد لصوت الحكاية وإدراك شكلها وبنيتها الفريدة. وليس إدخال نظريات عنوةً على النص من دون أن تتولد من داخله. منذ روايتي الأولى «ماندورلا»، تولّدت لديّ أسئلة عن كيفية تجسيد ذلك العالم بشكل أوضح وأفضل، وكانت الحرفة هي الإجابة. والحرفة هنا تتحوّل إلى عملية أشبه بالصلاة؛ نوع من الطقوس الذي يساعدك على اكتشاف نفسك بشكل أفضل.

بالحديث عن الرواية التي يحبّها القارئ، ماذا عن تصوّرك لقارئك أثناء الكتابة؟
ــ أنا فنّان، هدفي الأساسي تقديم حكاية مروية بشكل جيّد مقنع وممتع للقارئ. أما اكتشاف طبقات وأفكار العمل، فهذا أمر يختلف من شخص إلى آخر. وأتخيّل أنّ قارئ الأدب ذكيّ، يقرأ بهدوء. ولثقتي فيه، لا يُمكن أن أقدّم له معنى الرواية بالكامل. وفي ظنّي أنّ الكاتب الذي ليس لديه شيء يُخفيه يستهين بالقارئ.

الفلسفة جزء مهم وحاضر بقوة في مشروعك. تختار دوماً حكاية تختبر من خلالها الأفكار الكبرى وتسخر منها وتتهكّم عليها أحياناً.
ـ الفلسفة بالنسبة إليّ محرّك مهمّ وأحد روافد الكتابة لديّ. لكن الأفكار لا توضع في النص بليّ ذراعها. كتبت أخيراً مقالات عن الفلسفة واكتشفتُ أنني غير مستمتع لأنني لا أستطيع اللّعب مع تلك الأفكار أثناء عرضها في قالب المقال. الإبداع يعطيني مساحة اللّعب والمناورة مع تلك الأفكار. الفلسفة في رواياتي مصدر وليست غرضاً، أداة تساعدني على الرؤية.

في مجموعتك القصصية «مملكة من عصير التفاح»، كان الخيال والفانتازيا حاضرين بقوة، لكن توظيفهما اختلف عندما اتجهت إلى الرواية. حين تحوّلت قصتك «ماندورلا» إلى رواية، صار الخيال وسيلةً تطرح من خلالها أسئلتك، ولم تعد خيالاً خالصاً. هل كان ذلك نتيجة اختلاف القالب؟
ـــ معك حق. في «مملكة من عصير التفاح»، كنت أفتح باب الخيال فقط. أكتب النصوص بشكل يومي ولم أكن محمّلاً وقتها بأسئلة كبيرة أو هواجس واضحة. وأظن أن الغرض من تلك المجموعة القصصيّة كان فقط فتح تلك البوابة داخلي بدون رقيب، وأفدت منها لاحقاً. في «ماندورلا»، اختلف الأمر، لكنها لم تكن لتُكتب إلا بهذا الترتيب. ورواياتي التالية أفادت من ذلك كثيراً، كأنني أدخل طريقاً أكتسب خلاله خبرات إيجابية وسلبية «بنصلح أخطاء ونرتكب أخطاء جديدة».
في «ماندورلا» وصفت الكتابة في سياق ساخر بأنّها «الفعل الأكثر وقاحةً في العالم لا يجيده إلا السفلة والغرباء»، ماذا عن تطور مفهوم الكتابة بالنسبة إليك عبر أعمالك المختلفة؟
أظنّه نَضَج. فمعنى الجملة أن الكتابة تحتاج عملية من الشكّ، والنّشر جزء منه وقاحة. لكنّنا نحاول أن نكون أقل وقاحة من خلال إعادة الكتابة والتحرير. لا أتذكر الظروف التي أنتجت فيها هذه الجملة؛ لكنني من وقت إلى آخر أعود لـ«ماندورلا» بكل ما بها من مزايا وعيوب، فأكتشف أنها النص الذي يحمل أغلب أسئلتي وهواجسي الرئيسة التي أعمل عليها حتى رغم تطورها وتقديمها بشكل أفضل في الأعمال التالية.

الكتابة تأتي من الجزء غير الناضج فينا، ومن الفضول الذي يحمله تجاه العالم


كيف تتعامل مع السؤال الذي طرحته في النص نفسه: «ماذا تعرف عن العالم لتضيف إليه الكلمات»؟
ــ الكتابة تأتي ممّا لا نعرف وليس ما نعرف. وقتها لم تكن هذه إجابتي، والسؤال لم يكن له إجابة أصلاً. لكنني أكتشف أن الكتابة تأتي من الجزء غير الناضج فينا، ومن الفضول الذي يحمله تجاه العالم، وليس الجزء الذي يحمل معرفة مسبقة. هناك جملة أخرى في «بياصة الشوام» تحمل ذلك الصدى: «قلبي مجروح، هذا كل ما أعرفه عن العالم».

تقول إنك بالرّجوع لروايتك الأولى، تجدها محملة بالكثير من أسئلتك وبالفعل نلاحظ أنّ هناك الكثير من الأسئلة المشتركة بين رواياتك الخمس.. هل تقتنع بمقولة إنّ «الكاتب يكتب نصاً واحداً بأشكال مختلفة»؟
ــ أقصد أن الرواية الأولى تفاجئني عندما أظن أن هناك أسئلة اكتسبتها من الثقافة، فأجدها كانت أسئلتي الأولى، ودور الثقافة والخبرة هو تعميق تلك الأسئلة. وفي رأيي هناك الكثير من الجمل المتعلقة بالكتابة والتعميمية بالذات هي جمل كيتشية. لا أظن أنه نص واحد أُعيد كتابته، يمكن أن يحدث ذلك لبعض الحالات وتعميمها هو المشكلة.
يكون عندي هاجس أو سؤال حول الشكل والحكاية، فأكتب مثلاً «إخضاع الكلب» فلا أجدها مشبعة لأسئلتي أو أشعر بأنني لم أجب على السؤال بالشكل الأمثل وبالتالي يمكن أن أعيد السؤال نفسه بشكل آخر. نجيب محفوظ مثلاً كتب حكاية السقوط من الجنة بطرق كثيرة وفي صور مختلفة، فـ «الحرافيش» لا يمكن أن تُكتب من دون ما حدث مع «أولاد حارتنا»، وهما روايتان مختلفتان تماماً، لكن سؤال الشكل مشترك: الواقعية أم الرمزية.. فنجد أن شخصية عاشور الناجي خرجت في صورة تمزج بين عدد من الأنبياء بدون أن يكون غرضه إظهار أنه نبي، إذ أفاد من المرات الأولى والهواجس الأولى. أحياناً يكون السؤال في داخلك غير مكتمل، يعني أنا أحاول في روايتي القادمة الإجابة على سؤال الشكل غير المكتمل في «سيرة سيد الباشا» لأنني ما زال عندي قلق تجاه ذلك الشكل من الكتابة وعندي أمل أن أطوّره. لكن يظل كل نصّ مغامرة مختلفة.


ماذا عن تفاصيل روايتك القادمة؟
ــ حكاية تدور في بار انتهيت من مسودتها الأولى تحت اسم «بار ليالينا»، وأتمنى أن تكون جاهزة للنشر في أيار (مايو) المقبل. يمكنني أن أصفها الآن بأنها أكثر خفّة من «إخضاع الكلب» و«بياصة الشوام» على مستوى اللغة والبنية وطريقة السرد.

من الواضح أن الكتابة جزء مهم من يومك، فهل لك روتين أو طقوس معينة؟
ــ يومي الطبيعي قراءة وكتابة، هكذا أحس أنّه مشبع بالنسبة إليّ. أكتب الكثير من المسودات والأفكار العشوائية يومياً. أفضل الكتابة في الليل لأنه الوقت الذي أشعر فيه بصفاء ذهني وأقدر أن أكتب بشكل أفضل. وهذا ما أحاول الحفاظ عليه في أغلب الوقت.

انتقلتَ أخيراً إلى مدينة ذهب، جنوب سيناء، وهي مكان حكاية «إخضاع الكلب». كيف تتعامل مع البُعد عن القاهرة، خصوصاً أنك تعتبرها مدينتك الملهمة؟
لا تزال القاهرة مدينتي الملهمة، وأرى ذهب من عين القاهرة كأنها مرآة لها. النسبة الأغلب من السكان هنا قادمون من المدن الكبرى، ويتحركون حاملين نفس أزمات تلك المدن من دون التخلص منها. كأنني قادر على رؤية القاهرة بشكل مكثف وواضح، خصوصاً الأنماط الأولى من العلاقات لصغر المدينة. لم أكن أنوي أن تكون حكاية «إخضاع الكلب» في ذهب، لكنني رأيت هارون كانعكاس لابن مدينة كبرى. أما قرار الانتقال، فسببه الرئيس هو أن تعيش عائلتي بشكل أفضل.

لا يمكن تجاهل مشوارك في الصحافة وتأثيره على مشروعك الروائي.
ــ اخترت العمل بوعي لأن له علاقة بالكتابة، ونجحت سريعاً في الصحافة ما جعلني أعمل في مناصب إدارية فيها، أو أن أكون مشغولاً بفكرة ما طوال اليوم ولا أستطيع أن أقوم بشيء آخر، وبالتالي لم يكن العمل في الصحافة مقتصراً على كتابة نص فقط، إذ تداخلت الكثير من المهام الأخرى التي تعطلني عن القراءة والتطوير في الكتابة. ساعتها قرّرت التراجع لكنني ما زلت إلى الآن أنشر مقالات مختلفة. فهي في النهاية جزء من عملية الكتابة.

كروائي ومشتغل في الصحافة، كيف تقيم الصحافة الثقافية في مصر الآن؟
الصحافة الثقافية تحتاج لمساحات أكبر في المواقع والصحف لأنها أثبتت نجاحات كبيرة على مستوى الكتب. نجد أنّ «سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير حقّقت نجاحاً وانتشاراً، فضلاً عن كتب أحمد خير الدين، وتحقيقات الصحافي محمد رياض، وكتاب «محمود درويش في مصر.. المتن المجهول» لسيد محمود أو «حرز مكمكم» لـ أحمد ناجي، وجميعها أعمال خارجة من قلب الصحافة الثقافية وقادرة على الاشتباك مع المجتمع والسياسة بطرق سرد جديدة. بالتالي الصحافة الثقافية تحتاج إلى إعادة نظر من رؤساء تحرير الصحف والمواقع واختيار صحافيّين أفضل، لأنها في ظنّي أحد الحلول لنجاة الصحافة من أزماتها.

ماذا تقرأ الآن وما الكتب التي ترجع إليها بشكل دائم؟
ـ أرجع دوماً إلى «دون كيشوت». أجد فيها التقنية بشكلها البدائي والأساسي، بالإضافة إلى «المعلم ومارغريتا» لميخائيل بولغاكوف، و«فاوست» لغوته. حالياً أقرأ «لو أن مسافراً في ليلة شتاء» لإيتالو كالفينو للمرة الثالثة وأظن أنه سيكون نصاً أرجع إليه كثيراً، إلى جانب «إفلات الأصابع» لمحمد خير.

نشر بملحق «كلمات»، جريدة الأخبار اللبنانية.. 22 يناير 2022

فاطمة قنديل: الكتابة علّمتني القسوة

تتعامل فاطمة قنديل (1958) مع الكتابة كـ«طاقة» لا يجب تبديدها بلا هدف أو استنزافها في معارك جانبيّة. تكتب لأن ذلك هو ما تُجيده في الحياة. تُعتبر قنديل من أهم شاعرات الثمانينيات والتسعينيات، رغم أنها لا تعترف بفكرة الأجيال، ورغم أن معاركهم لم تشتّتها يوماً. التجريب والمغامرة كانا بوصلتها الوحيدة في مشوار الكتابة. بدأت رحلتها بكتابة شعر العاميّة في ديوانَي: «عشان نقدر نعيش» (1984)، تلاه «حظر تجوّل» (1987)، فضلاً عن تجربة مسرحية بعنوان «اللّيلة الثانية بعد الألف» (1990). نشرت بعد ذلك مجموعتها «صمت قطنة مبتلّة» (1994) بالفصحى وبدأت تجربتها مع قصيدة النثر؛ حيث واجهت الكثير من التزمّت، خصوصاً مع الهجوم الواسع الذي تعرّضت له بعد إلقاء «قصائد إيروتيك» في باريس، ما أدّى إلى تأخّر نشر مجموعتها «أسئلة معلّقة كالذبائح» لثماني سنوات هي الفترة التي انقطعت خلالها عن الكتابة، وعانت كثيراً بسبب ذلك.. تَعتبر صاحبة «بيتي له بابان» (2017)؛ وظيفتها كأستاذة جامعية في كلية الآداب «ظهر السلحفاة» الذي يحميها كشاعرة في مجتمع «يسحق الشعراء» بحسب تعبيرها. وفي «أقفاص فارغة» الصادرة أخيراً عن «دار الكتب خان»، يبدو أن قنديل قرّرت خوض مغامرة جديدة صنّفتها كـ«رواية»؛ لكنها تحكي على صفحاتها بـ «أنا المتكلم» سيرتها التي يختلط فيها الواقع بالخيال. داخل النص، سخرت من زميلها الذي أخبرته بأنها تنوي كتابة «مذكّراتها»، فنصحها بأن تكتب بضمير الغائب، فردّت عليه: «الحضور الكامل هو كلّ ما أحلم به». لكن ما يدعو للتساؤل أنها ذيّلت عنوان الرواية بعبارة: «ما لم تكتبه فاطمة قنديل». تعقيباً على هذه العبارة، تقول قنديل في مقابلتها مع ملحق «كلمات»: «ربّما تفهم بأنّها تبرّؤ من العمل، لكن ما قصدته أنني عند وصفي مثلاً تجربة مرض أمي في الرواية، فإن هناك أشياء لم أكن أقدر على كتابتها مطلقاً، حتى عندما تطرّقت لتلك التجربة في «أسئلة معلّقة كالذبائح»؛ كنت أستطيع الهروب في الشعر بالاستعارات أو حتّى بإنهاء النص». أما «أقفاص فارغة»، فهو ما لم تكتبه قنديل بهذه الطريقة والوضوح والصراحة من قبل، هو: «ما لم أكتبه في شعري وهو ما يحقّق الحضور الكامل بالتحديق في الأشياء»

يُعطي كتاب «أقفاص فارغة» انطباعاً بأنه «نص مؤجل»، وربما ظهرت هواجس كتابته في «أسئلة معلّقة كالذبائح» لما تضمنه من كتابة حرة.. هل هذا الانطباع صحيح؟
ــــ كلا، إنه نص مؤجل لناحية النشر فحسب، لكن على صعيد الكتابة كان نصاً مباغتاً بالنسبة لي، إذ لم أكن أتخيّل كتابة هذا النص على الإطلاق. كنت مشغولة بالتحضير لمجموعة شعرية جديدة ولا أزال، لكنني وجدت نفسي أمام تجربة محورية بالنسبة لي وهي وفاة أخي، ما وضعني وجهاً لوجه أمام الخيط الوحيد الذي يربطني بفكرة العائلة والأسرة.
وقبل ذلك، كنت متّهمة طوال الوقت بأنني بلا ذاكرة، أسمع الكثير من المواقف المشتركة مع أصدقائي كأنني أسمعها للمرة الأولى، والحقيقة لا أعرف إذا كان ذلك تجاهلاً للتجارب أم رغبة في تجاوزها، المؤكّد أنها حيلة نفسية تراكمت وجعلتني في النهاية «بلا ذاكرة».
فكرة الموت وضعتني أمام فكرة موتي أنا. هذا ما يولّد الرغبة في قول كل ما يمكن قوله عمّن عرفتهم، وعن تجاربك الشخصية بالطبع مع جانب كبير من التصرف. أعترف أن هناك وقائع غير دقيقة بالمرة لكن جميعها كتبت بـ «أنا المتكلّم». لقد كتبت «أقفاص فارغة» خلال أربعة أشهر فقط، وهذا كان أمراً غريباً جداً، عندما وجدت نفسي أكتب شكلاً من أشكال الخواطر بتدفّق شديد، مستعيدةً الكثير من المواقف والحكايات خاصة خلال الطفولة، كنت أظن أنه من المستحيل تذكّرها، وهنا قرّرت تعميق تلك الشخصيات والأحداث المبعثرة، وهنا تدخّل الخيال لـ«ترميم الذاكرة». هناك شخصيّات قمت ببنائها من اللّاشيء، ومددت خيوطاً درامية لشخصيات أخرى لتخرج في النهاية كرواية.

هل كان الانتهاء من النص محكوماً بالتزام زمني؟
ـــ لا، كتبت مثلاً الفصل الأخير «الغائب يعود في موعده» وبعدما قرأته صديقة لي، لفتت نظري إلى أنه مكتوب بشكل ميلودرامي. وفي يوم عيد ميلادي عام 2019، الذي أحب أن أحتفل به، ويرجع سبب ذلك إلى أن والدتي توفيت يوم ميلادي، ومن يومها قرّرت الاحتفال بعيد ميلادي دائماً، لأهرب من فكرة موتها… المهم، في ذلك اليوم لم أحتفل وشعرت باكتئاب فنمت، لكنني استيقظت بعد أربع ساعات فقط على غير العادة، وجلست ثماني ساعات أعيد صياغة ذلك الفصل بدون توقف. وكان هذا أسعد عيد ميلاد مررتُ به منذ فترة طويلة لأنني استقبلته وأنا أكتب بحرارة ويومها كتبت كلمة «النهاية».

تتحدّثين دائماً عن إيمانك بضرورة إزالة الحواجز بين الفنون وأنك تكتبين «نصاً مفتوحاً»، فلماذا لم تتمرّدي على تصنيف «أقفاص فارغة» كرواية؟
ـــ يرجع ذلك لأسباب عدة، أولاً قمت بمراجعة نفسي في كثير من الأفكار، خصوصاً أنني لست ممن يتمسكون بفكرة واحدة طوال الوقت. كما أنني شخص لاقى كثيراً من العنت في تقبّل ما يكتبه، بوصف كتابته تدل على حياته الشخصية وهذا لم يكن كلّه سليماً. مثلاً، عندما كتبت قصيدة عن الخمر، فُهمت أنني أصف الخمور، لكنني كنت أصف النقطة الأخيرة التي تبقى في زجاجة الويسكي وهي أحد أهم ملامح الكتابة الصوفية. لكن لدى قراءة القصيدة في الأوبرا، انتهى الأمر في خناقة داخل القاعة. وبالعودة إلى «أقفاص فارغة»، بالإضافة إلى أنني أحب إزالة الحواجز بين الفنون، فأنا أيضاً شخص يحب المغامرة، واكتشاف مناطق جديدة. وعادة في مجتمعاتنا العربية، يكون صعباً على الكاتبات اختراق هذه المناطق.
ومن حسن الحظّ أن المجتمع المصري بكل مشاكله «هتلاقي فيه حد يدافع عنك». فهناك مَن يمكن أن نسمّيهم «بقايا ليبراليين»، والحقيقة أنني لو كنت أكتب في بلد آخر، لا أظن أنني كنت سأقدر على الصمود لصعوبة الضغوطات، خصوصاً أنني رأيت صديقات لي في بلاد عربية، ربما يمتلكن موهبة أكثر مني، إلا أنهن يعشن معاناة كبيرة، بسبب الحواجز شديدة القسوة. لكن في كتاباتي، أو في كتابات إيمان مرسال وهدى حسين مثلاً، تجد هناك قدرة على الانفلات من الحواجز والقيود… هذا ما يُعيدنا إلى الفكرة الرئيسية، وهي رغبتي في المغامرة.

الأجيال الجديدة في الكتابة أكثر شجاعة منّا والشاعرة الأفضل لم تولد بعد


ألم تقتضي هذه المغامرة الإعلان بشكل صريح أنك تكتبين سيرتك؟
ـــ هي ليست سيرة تماماً، بل نص يقع بين السيرة والرواية. بصراحة كان اسمها الرئيسي «سردية أقفاص فارغة»، لأنني لو حاكمتها بقواعد السيرة من منظار النقد، فلن تكون سيرة، وأيضاً لو حاكمتها تحت الطابع الروائي، سأعثر فيها على مشاكل. كان يُفترض أن يكون اسمها «سردية» لكن ربما لم يكن القارئ ليفهم ذلك، كما أنني كنت أخشى أن يتم تقبّلها بصفتها شعراً سردياً. لكن تصنيفها كرواية ليس خوفاً من شيء محدّد بقدر ما هو رغبة في تلاشي المعارك الصغيرة التي يمكنها التشويش على تلقّي الكتاب، كأن يكتب أحدهم بشكل جدلي عن تصنيف العمل، فلا يُقرأ العمل أو تتم قراءته بدافع البحث عن مقولته.

يظهر من كلامك وجود خوف دائم من الانطباعات تجاه كتابتك.
ـــ طبعاً، ليس خوفاً فقط، بل كنت مرعوبة. أرغب في حماية نفسي وكتابتي، لأنني عشت عمري للكتابة، وأي ضربة لها تهز وجودي كلّه، فالكتابة بالنسبة لي ليست ترفاً زائداً في حياتي. عند تقييم حياتي كلّها، لا أقدر أن أقول سوى أنني «كنت أكتب»، وبالتالي الانطباعات حول ما أكتب مهمّة جداً عندي، بالإضافة طبعاً إلى أنني من برج الأسد «بحب الناس تقوللي: برافو وشاطر».

جوابك مفاجئ، كنت أظن أنك تكتبين من دون الانشغال بكل ذلك
ـــ الحقيقة هناك مرحلتان مهمتان: الأولى تشتمل على فترة الكتاب، وهي التي لا أعبأ ولا ألتفت خلالها إلى أي شيء سوى كتابتي. بعد الانتهاء من الكتابة، أعود «فاطمة التي تتلقّى الضربات»، فأثناء كتابتي أنا شخص آخر، شخص مختلف تماماً.

قلت إن الكتابة لصيقة بك وليست ترفاً في حياتك، فكيف يتم هذا الفصل؟
ــ يمكنني القول إن حياتي كانت تحضيراً للكتابة، لكني بدأت بتغيير ذلك. في السابق، كنت أبدأ منذ استيقاظي وحتى يحين موعد نومي، أتفرّغ لتأمّل الكون من حولي، لأكتب منه شعراً سواء من علبة السجائر أو من طبخة أعدّها. كان هاجس كتابة الشعر ملازماً لي طوال الوقت. مع الوقت، بدأت أدرك أنه من الضروري أن أعيش حياتي، ببساطة ما بات يهمّني عندما أقف في المطبخ هو أن آكل لا أن أكتب شعراً. أحاول القيام بذلك للتغلّب على حالة التوتّر الدائمة التي كنت أعيشها.
عندما مرّت عليّ سنوات لم أكن أكتب فيها، كنت من أكثر البشر تعاسة في العالم. فاكتشفت أن الشاعر يحتاج إلى «حياة بديلة» فإذا ضاع منه الشعر وهذا أمر وارد جداً بالمناسبة؛ لا يكون مصيره الدّمار حينها. والعمل في الجامعة يعطيني هذا الشعور بأنّ لدي دوراً ثانياً أقوم به وإن لم يكن هو الأهم طبعاً. عموماً، تبقى كلّها محاولات وحيل لـ«صيانة الذات» بتعبير محمود درويش.

في النص يبدو كأنّك تجيبين على سؤال: «هل تخلت فاطمة قنديل عن الشعر لتكتب رواية»، خصوصاً حين قمت بالتأكيد، داخل النص، في وجه خالك «أنا شاعرة». ما هو الشعر بالنسبة لك؟ وكيف تمسّكت به في هذه الظروف الصعبة؟
ــــ كنت أقول لخالي إنّني شاعرة لإحساسي بقيمتي في الحياة لكن بالنسبة للمجتمع لا قيمة للشعر. بدأت كتابة الشعر وأنا بنت الطبقة المتوسطة حيث الثقافة شكّلت جزءاً مهماً في حياتنا. أمي كانت تكتب وهناك تشجيع دائم من إخوتي، لكن في الوقت نفسه كنا في بداية سياسات الانفتاح في السبعينيات حيث يتم سحق الشعراء والسخرية منهم، وفي المقابل كانت بنات ذلك الخال يعملن في الفنادق ويحصلن على رواتب محترمة.
بالمناسبة، لعب هذا الموقف دوراً كبيراً في حياتي، فالانتقال من الشعر إلى المجال الأكاديمي كان بسببه. أدركت حينها أنّه لا بد من الحصول على وظيفة ما إلى جانب الشعر.
ولولا أنني أصبحت أستاذة جامعية؛ كنت متُّ كشاعرة من زمان. فمن غير المنطقي والمضحك أيضاً وسط كل تلك التحولات إلى الرأسمالية أن يسألك أحد عن وظيفتك فتقول «شاعر».. هذا كان يحدث فقط أيام أمل دنقل والأجيال التي تسند بعضها. لذلك كانت وظيفتي في الجامعة أشبه بظهر السلحفاة بالنسبة إليّ حيث أحتمي به.

ما الذي جعلك تتمسّكين بالشعر إذاً؟
ــــ لأنني شاعرة وهذا دوري في الحياة، لكن في هذا المجتمع لا يمكن أن أكون شاعرة فقط، ولو لم أكن أستاذ جامعة، لأصبحت صحافية أو كنت التحقت بأية وظيفة أستطيع أن أوردها في البطاقة، لأنني ببساطة لا أقدر أن أكتب «شاعرة» في خانة الوظيفة. في المقابل، أعرف بيني وبين نفسي أن الشعر هو الوجود بالنسبة لي، إذا لم أكتب سأموت، ولا أقدر على فعل شيء آخر.

هل كان الأمر واضحاً بالنسبة إليك منذ بدأت كتابة الشعر بهذا الوعي؟
ــــ عندما بدأت بكتابة شعر العامية، استقبلني الوسط الثقافي بحفاوة باعتباري «بنت حلوة بتكتب»؛ وقتها اتخذت قراراً بيني وبين نفسي بأنني لن أكون مجرّد فتاة تكتب بل سأكون في الصف الأول من شعراء العالم العربي؛ كان هذا قراري وسعيت إليه وبذلت من أجله كل جهدي. ومن التجارب التي أريد الكتابة عنها مثلاً أنني كنت أنسخ دواوين الشعراء، لأنني كنت جاهلة وقتها؛ أحضرت كل دواوين الشعراء الكبار: بودلير ورامبو وريلكه وإليوت.. وكان لديّ طقس أن أوقد شمعة وأجلس مثل الكاتب القديم لنسخ الديوان في كرّاسات بخطي، وبهذه الطريقة كنت أستحضر أرواحهم. كانت هذه التجربة مهمة بالنسبة إلي، وبعد ذلك دخلت الجامعة لدعم موهبتي وقراءاتي بشكل أكبر.

بين السطور وضعت ما يشبه الإحالات لنصوصك ودواوينك السابقة، ما سبب ذلك؟
ــ جاء الأمر بشكل عفوي، ولو ألقيت نظرة على السرد في «أقفاص فارغة» رغم أنه شديد الوضوح؛ فإنه مكتوب بشكل شعري، وبالتالي هناك تفاصيل ذكرتها مثلاً في ديواني «صمت قطنة مبتلة»، قمت مجدّداً بالإحالة إليه خوفاً من التكرار، لكنني لم أضع إشارات لذلك، من قرأني فقط هو الذي يلاحظ ذلك.

كل محاولات الانتحار لم تكن سعياً إلى الموت بقدر ما كانت هروباً من الحياة


يحمل النص زيارات متعدّدة للموت كأنك طيلة حياتك كنت تتدرّبين على الفقد، وهناك أيضاً زيارات غير مكتملة منك في محاولات الانتحار. ماذا عن نظرتك للموت خصوصاً بعد النجاة منه عدة مرات؟
ــ عندما يكبر الإنسان، يصبح الموت هاجسه اليومي، فكل محاولات الانتحار لم تكن سعياً إلى الموت بقدر ما كانت هروباً من الحياة.
أعتقد أنني متصالحة مع فكرة الموت، وهذا سبب في أنني لا أترك جذوراً عميقة في الحياة. مثلاً اتخذت قراراً بألا يكون لدي أولاد، وبالتالي يكون رحيل الإنسان سهلاً وخفيفاً من دون إزعاج الآخرين. لا أخاف منه، ولكنني أحاول إغلاق حساباتي في الحياة كلما أصبح ذلك متاحاً.

وما هو تعريف الخوف بالنسبة لك الآن؟
ـــ أستعين بتعبير صلاح جاهين: «كأنه كلب سد الطريق… وكنت عاوز أقتله بس خفت». هذا هو الخوف بالنسبة إلي، لكنني لا أستطيع تصنيف نفسي كشخص جبان، فمثلاً لم أغلق الأبواب والنوافذ بالحديد كما فعل جيراني في البيت السابق. أؤمن بالقدر كثيراً كما علّمتني أمي. في السابق، كنت أخاف مثلاً عدم التحقّق كما ذكرت، لكني بتّ أخاف الآن من المرض والألم أو أن أفقد شخصاً عزيزاً. أتعامل مع الخوف في حياتي دائماً كعدو، لا بدّ من أن أتخلص منه، لأنني أعيش بمفردي ولو استسلمت لفكرة الخوف فسيكون قفلاً لا يمكن إغلاقه.

تصفين الكتابة بأنها «صيد» وربما يتناسب ذلك الوصف كثيراً مع الشعر كـ «فن تكثيف اللحظة»، لكن هل يتناسب هذا مع السرد أيضاً؟
ـــ الصيد هو استعارة لا أقول مصدرها، ففي ديواني «أسئلة معلقة كالذبائح» كان مجرد إطار ولم يكن هناك أي صيد. وبصراحة تأثّرت كثيراً بـرواية «العجوز والبحر» لهمنغواي، واستعارة الصيد تأتي بهذا المعنى، ليست بمعنى القنص ولكن بمعنى الرحلة نفسها وحالة الحياة والإبحار في المجهول.

في ديوانك الأخير «بيتي له بابان»، تصفين الكتابة بأنها «زوجة أب»، وفي المقطع نفسه تكملين: «أحياناً أبكي.. لا لشيء.. إلا لأنها علمتني كل هذه القسوة»، فكيف ارتبط مفهوم الكتابة لديك بالعنف والقسوة؟
ـــ لأنك كلما سخرت؛ كلما أصبحت عنيفاً. وأنا شخص ساخر، وأعتبر السخرية سلاحاً. وبالطبع علّمتني الكتابة القسوة، ربما لم أدرك ذلك في بداياتي لكنها الحقيقة، حيث علّمتني التحديق في الألم والأشياء والسخرية، أو حتى حين أبتر الجملة، فالكتابة بهذا المعنى عنف رمزي، والشعر عنيف.

كيف تطوّر عندك مفهوم الكتابة طوال ما يقرب من الـ 40 عاماً؟
ـــ لم أتأمّل ذلك بعد، أنا مشغولة بالتجريب الآن، وأعرف الأدوات التي يمكنني استخدامها وما ينقصني منها. فالكتابة بالنسبة إلي حالة تخزين وتوجيه، حيث أدخل في حالة حوار مع اللغة والتقنية، ربما أحتاج إلى مغامرتين أو ثلاث لرصد ذلك التطور.

ننتمي إلى ثقافة اعتبرت الكتابة طوال الوقت نوعاً من الإلهام، لكنك دائماً ما تعتبرين الكتابة تقنية وصنعة.
ـــ طبعاً هناك توجيه للطاقة، أنا مثل النجّار هو يستخدم المنشار بينما أستخدم القلم. النجار الشاطر يُنتج شيئا جميلاً، والكاتب الشاطر يُنتج نصاً جميلاً أيضاً.

أنا أحب تسميتها طاقة لا موهبة، وعلينا توجيهها بشكل جيد ومكثف، فضلاً عن عدم استنزافها في أشياء لا طائل منها.

أثناء توقيع الرواية قلت: «أريد فتح طريق مختلف لجيل جديد»، هل أنت مشغولة فعلاً بجيل جديد من الكتاب؟
ــ إلى حد ما أنا مشغولة بذلك، رغم أني لا أقوم بمحاولات كبرى في سبيله. لكن عندما أجد نصوصاً جيدة أنشرها على صفحتي على فايسبوك وأبلغ أصحابها تقديري الشديد لهم، وأسعد كثيراً بالأسماء الجديدة وأغلبهم شاعرات. كل ما أستطيعه هو أن أفتح الطريق بكتابتي للأجيال الجديدة، أو أن أخلق مساحة أكبر للبوح في الكتابة. والحقيقة أن الجيل الجديد أكثر شجاعة منا. أنا متفائلة بأن القادم أفضل من الآن، وأن الشاعرة الأفضل لم تولد بعد.

نشر بملحق كلمات، جريدة الأخبار اللبنانية.. 11ديسمبر 2021

أمين حداد: لا أملك تعريفا للشعر

وفكرت في تحويل بعض قصائدي إلى روايات..

«ما بدا لك» في معظمه هو شعر صافٍ تتخلله بعض الصور النثرية

بصوت يختلط فيه الحزن والغبطة؛ يحكي «أمين حداد» عن الزيارات المتكررة لـوالده «فؤاد حداد» في مناماته وأحلامه، حيث يحضر صامتًا وكأنه غير راض عن قصائد الابن.. حزن من يبحث عن اعتراف «والد الشعراء» وغبطة من يتمرد عليه.

يخبز صاحب «في الموت هنعيش» قصيدته من اليومي، ويبحث في العادي والمكرر عن دهشة تجعله يستمر في الكتابة: «أنا بخبز شعري من المألوف.. مع كسر المألوف».

في ديوانه التاسع «ما بدا لك» يبدو  أمين وكأنه يؤسس لمرحلة جديدة أو لـ«سنين الوحدة»، ويخاطب جمهورًا جديدا وكأنه يكسر حاجزًا ما حتى لا يكون شعره «حبيس دوائر المثقفين».. لم تكن قصيدته بعيدة عن محاولات كسر الحواجز، فهو الذي لا يملك تعريفا خاصا للشعر يعتبره «حالة» يعيشها و «أثر» يتركه، لذلك فقصيدته أكثر انفتاحًا على القوالب الأخرى والمختلفة، المهم أن يجد صوته الخاص نقيًا.  

 يذيل عناوين دوواينه بـكلمة «شعر» منفردة من دون التصنيفات المتعارف عليها.. لكن ديوانه الأخير «ما بدا لك» حظى بدرجة أعلى من التجريب حتى أنه تضمن بعض النصوص الأقرب لقالب الحكاية كـ«تخطيط لسهرة» و«رجل عادي خالص».. ما يجعل معيار إطلاقه كلمة شعر على النصوص المختلفة محل تساؤل..

:يقول أمين حداد

     كسرت هذه القاعدة في «جزيرة الأحياء» وكتبت: «شعر وكلام وسحر وأحلام من حي الإمام الشافعي».. في البداية دعني أحدثك عن هذه التجربة حيث بدأت الدخول إلى الكتابة «عبر النوعية».. وطوال الوقت أرغب في كتابة قصيدة النثر لكنني أهابها، بعيدا عن التعريفات التي تخص قصيدة النثر كالبعد عن القافية والتصوير والتشبيهات، وهو ما يجعلها في وجهة نظري ما يجعل قصيدة النثر بعيدة عن موسيقى الشعر.. وأنا مهتم بالنثر كموسيقى.

 ففي رأيي أن النثر له موسيقى تخصه وتثري تجربتي كشاعر أثناء محاولتي للوصول إلى صوتي، أما في قصيدة التفعيلة أفقد جزء من شبهي.

أما في ديواني الأخير أظن أن التجربة كانت أكثر وضوحا، فأنا أظن الأشكال والقوالب الفنية تتداخل مع بعضها ويحدث الآن تزاوج بينها أكثر من التفرقة بينها سواء الشعر والقصة والأغنية والحكاية.. لكن المعيار الأهم بالنسبة لي هو الموسيقى الشعرية. 

أحارب لإيجاد مساحة كافية من الوقت لكتابة الشعر
  • رغم رغبتك في تجاوز القوالب فإن سؤال التصنيف لم يغب في ديوانك.. في «غريب» تتساءل: «هو اللى بتكتبه ده شعر؟».. بينما في «التمرين» تعترف: «أغراض الشعر معروفة بس بحاول أغير في الأشكال المألوفة».. وفي «دع الماضي في حاله» نجد المقابلة واضحة عندك بين النص والقصيدة: «كيف أكمل النص؟.. ليه ما قلتش قصيدة».. حدثنا عما كان يشغلك بخصوص التصنيفات المختلفة وأنت تعد لهذا الديوان؟

سؤال التصنيف يشغلني من ضمن أشياء كثيرة، ومن البداية فكرة الشعر نفسها تشغلني بشكل كبير، حتى أنني كتبت قصيدة «الورطة» عن كيفية استدعاء القصيدة وتغلبها عليك.. وأيضا «الشعر» هو عنوان أكثر من قصيدة لي.

أريد أن أوضح أن حال الكتابة هو أحد الموضوعات الأثيرة عندي دائما، وحالة السؤال والجواب مع نفسي عن التصنيف التي لاحظتها في الديوان يمكن أن يكون إنعكاسا لكل ذلك أنت لاحظته ولكنني لم أكتبه بشكل مقصود.

أستدعي أصوات من داخلي في تساؤل: « هو اللي بتكتبه ده شعر؟» يمكن أن يكون سؤالي وفي نفس الوقت أن يكون استدعاء لصوت أحد المستمعين.

ولكنني أعتقد أن «ما بدا لك» في معظمه هو شعر صافي تتخلله بعض الصور النثرية.

  • يبدو أن لك مفهوما خاصًا عن النثر.. فما الفرق بينه وبين الشعر في وجهة نظرك؟

الفرق الأساسي بين الشعر والنثر في رأيي هو التلقائية، فالشعر دائما تلقائي وبه تداعي لا تقدر على إيقافة.. النثر عموما به إعمال أكثر للعقل وللمنطق حضور كبير، فعندما تكتب مقالًا لا يمكن أن تشط عن فكرتك وأو تصدر التفاتات بشكل مفاجىء، لكن كل ذلك يحدث تلقائيا في الشعر لأن له منطقه الخاص، وأول ما أشعر أن عقلي حاضرا عند الكتابة فهذا نثر، أما في الشعر أعيش حالة من التماهي.

  • لكنني أظن أن الأجزاء النثرية التي تتخلل ديوانك الأخير كانت تلقائية بشكل كبير

كما قلت لك أنا أريد من النثر نغمته، فالنغمة تفتح لي طريق ما وتمنحني صوتا، لذلك أذهب للنثر لتوسيع تلك النغمة والبحث عن طرق أكثر، كما يحدث عندما تسبق القافية الشعر فتقوده إلى منطقة ما، النثر أيضا يقودني لمنطقة مختلفة.

لا توجد رؤية عامة أو خريطة حقيقية للثقافة المصرية

  • هل يعني ذلك أن «النغمة» يمكن أن تطغى على فكرتك؟

في رأيي أنه لا يوجد في الشعر «فكرة»، ففي الرواية مثلا يتصور الكاتب شخصية بشكل معين لكنها يمكن أن تتمرد عليه وتختار مصير مختلف، وهذا يحدث في الشعر أيضا يمكن أن تبدأ بنغمة أو فكرة أو مجرد كلام عابر حتى لكن الشعر يقودك في الاتجاه الذي يريد، لذلك فالشعر ليس فكرة بقدر ما هو حالة.. وبالتالي الحالة الشعرية أقى من الفكرة الشعرية.

لكن هذا لا ينفي أن بعض القصائد فيها فكرة، وتبدو وكأنها من الأول مكتوبة لهذه الفكرة، فمثلا في بعض قصائد صلاح جاهين تشعر وكأنها ولدت بهذا الشكل الموجوده عليه، لكن ليس شرطا أن يكون هذا ما حدث، فيمكن أن تكون الفكرة تداعت دخوله في القصيدة أصلا، وطبعا الصنعة لها دور كبير.

  • بما أنك لا تتمسك بشكل معين للقصيدة.. لماذا لم تجرب قوالب أخرى كالرواية أو القصة وتمسكت بالشعر فقط طوال 40 سنة؟

وهل الرواية ينقصها كتاب الآن؟!.. وهناك مشكلة كبيرة في الرواية من تكرار الأفكار، وبالتالي أنا لا أحب الدخول في ذلك الطريق المزدحم..

لكن لا أخفيك سرا أنني فكرت في تحويل بعض قصائدي إلى قوالب أخرى منها قصيدة «البيوت» في ديوان «جزيرة الأحياء» فالحقيقة أنها تبدو كنواة أو ملخص لرواية، لكن أشعر أن الأمر صعب وأيضا ليس لدي ما يكفي من الوقت لذلك، فضلا عن الكم المرعب من الروايات والقصص.

  • الشاعر الأمريكي بيلي كولينز  كان يقول «الشعر تاريخ القلب البشري».. فما تعريفك الخاص للشعر؟

لا أملك تعريفًا للشعر..

لكن الشعر يمثل لي «الأثر».. عندما يسير الشخص في طريق ويختفي ولا يتبقى منه سوى آثر أقدامه، هذا ما أرغب في تركه.

  • ألا يمكن اعتبار ذلك تعريفا؟

أظن أنه من الصعب حصر الشعر في منطقة بعينها، لكن كل ما أستطيع قوله هو مجرد انطباع شخصي عنه، حتى أن جملة «تاريخ القلب البشري» لا يمكن تعميمها..  

      لكن من المهم فهم أن الشعر جزء من «ثقافة اللغة» وهذا شىء مهم جدا، فالشعر مثل اللوحة المرسومة والمرسومة والموسيقى، لا يمكن تغيير شىء بهما، فالألوان والخطوط والظلال هي مكونات اللوحة وحجمها لا يمكن انتقاص أي شىء من تلك العناصر، والموسيقى نغم معروف، الشعر كذلك بلغته ونصه، أي تقليل أو إلغاء لجزء من هذا النص يخرجه من طبيعته.

فمثلا عندما نقول: «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل.. بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ» هل معلقة امرىء القيس لو ترجمت ستحتفظ بنفس المعني؟!.. فالنص ابن اللغة بما تحمله من تداعيات وبالتالي فالشعر هو عبقرية وقلب اللغة.

الصدق وحده يكفي لتنجو القصيدة من الارتباط بحدث ما

  • ما موقفك إذا من الشعر المترجم بناء على هذه الرؤية؟

عند قراءة الشعر المترجم فأنت تقرأ شيئًا منتقصًا، لكن بالطبع ترجمة الشعر مهمة وعرفنا من خلالها ناظم حكمت ونيرودا وغيرهم الكثير، حتى الرواية وهي أسهل في نقلها من الشعر تفقد الكثر بالترجمة.

الفكرة ببساطة شديدة طرحها المفكر الكبير زكي نجيب محمود في مقال له عن اللغة، فكان يكون ان اللفظة في نفسها تحمل في طياتها الكثير من المعاني حتى في نفس اللغة وضرب مثالًا بكلمتى الأتوبيس والحافلة، عندما تقول أتوبيس تتخيل شكل المحطة وشكل الزحام وعرق الناس، لكن عندما تقول حافلة فإنها لا تقدم نفس التصور لقارئها، وبالتالي ما أريد قوله أن الشعر المترجم يفقد الكثير من حمولته ومعانيه.

 وهناك مشكلة عند بعض كتاب قصيدة النثر في اختيار بعض المعاني والصور التي تبدو وكأنها مترجمة.. بالطبع هناك شعراء تجاوزوا هذه المسألة مثل إيمان مرسال وعماد أبو صالح وإيراهيم داوود وغيرهم.

  • في أغلب حديثك عن الشعر يكون مقرونًا بكلمة «خطف».. «أخطف الشعر خطفا» كما في مقدمة «مابدا لك» وأيضا كان هذا المعنى واضحا في «الوقت سرقنا 2016».. لماذا؟

أظن أن ذلك – حتى وإن كنت غير واعي له- يرجع إلى عملي كمهندس وأحارب طوال الوقت لإيجاد مساحة كافية من الوقت لكتابة الشعر.

  • على عكس دوايينك السابقة «بدل فاقد»، «الحرية من الشهداء»، «سلام مؤقت».. حاولت أن تتخلص في ديوانك الأخير من صخب الأحداث الكبرى.. في رأيك هل اشتباك القصيدة مع الحدث يقلل من جمالياتها أو فرصها في البقاء؟

اشتباك القصيدة مع الحدث من عدمه يكون حسب حالة الشاعر، وأنا في معظم حالاتي لا أستطيع الكتابة في الحدث، حتى عندما توفى أبي انقطعت عن الكتابة أشهر طويلة، حتى في غزو العراق كانت كل كتاباتي قبل الحدث لكن عند الضرب توقفت عن الكتابة، وبالمناسبة ديوان «بدل فاقد» هو الأكثر شبها بديواني الأخير.

لكن الأمر اختلف أيام الثورة، حيث شعرت بشىء يدفعني للكتابة كمسؤولية تجاه الثوار في الميدان، حيث شعرت بأن لي دورا يجب علي القيام به وإلا سأكون خائنا لهم.

وعند الرجوع لديوان «الحرية من الشهداء» أجد قصائد حلوة جدا في وجهة نظري ومؤثرة وطبعًا هناك بعض القصائد أشعر فيها بالاستعجال أو «على أد الحدث» بمعنى أصح.

لكنني لا أظن أن ارتباط قصيدة بحدث أو غيره هو ما يتحكم في جمالياتها أو بقائها، فلو رجعنا إلى استهلال معلقة إمرىء القيس تجدها مرتبطة بحدث ومكان مندثرين أصلا لكن بها صدق فني.. المهم في الكتابة ألا يتنازل الإنسان حتى يكتب ويكون صادقًا.. الصدق وحده يكفي لتنجو القصيدة من الارتباط بحدث ما.

  • يظهر عنوان الديوان الأخير «ما بدا لك» من اللحظة الأولى أننا أمام نص قابل لتأويلات متعددة وهو ما انعكس على لغته.. لماذا لجأت إلى لغة أكثر غموضا؟

لم أقصد ذلك، لكن الشعر دائما هو لغة تحمل تأويلات، الشىء الوحيد الذي قصدته في هذا الديوان هو الابتعاد عن «صخب الأحداث الكبرى» كما لاحظت.

أتمرد على ذائقة فؤاد حداد.. وتعلمت منه المغامرة المستمرة في الشعر

  • لكن حتى عنوان الديوان ليس مباشرا ويحمل غموضا على عكس عناوين دواوينك السابقة؟

عندك حق، وهذا كان مقصودًا، فالاسم كان آخر شىء في الديوان وتغير عدة مرات ترددت بين «سيبك من اللي فات» و«سر في العلن» إلى أن وصلت إلى «ما بدا لك» و هي كلمة كتبتها في أحد القصائد وقررت أنها ستكون عنوان الديوان حيث أعجبني إمكانية نطقها بالفصحى والعامية في نفس الوقت.

  • تقول في «تمرين»: «نجحت في تمرين اخترعته لنفسي.. أن أمحو من داخلي ظلال الموجود بكثافة في الخارج».. لكن قصيدتك لاتزال تحمل تلك الظلال

الشعر حالات مختلفة وكل حالة بنت الوقت الذي قيلت فيه، ولا يوجد قرارات صارمة أو مطلقة في الشعر، فالشاعر الذي يقول «بحبك» هو صادق عندما قالها حتى لو تغير فعله بعد ذلك، فهو كان صادقا عندما قالها.

  • تحاول «إعادة اكتشاف البديهيات» والاحتفاء بالعادي باعتباره هو المعجزة.. كيف يحافظ الشاعر على «دهشته» وسط ملل وضغوط اليومي؟

فكرة الاندهاش من البديهيات تلازمنى منذ البداية، فأنا أرى في البديهيات والأشياء العادية في اليوم تمثل لي أشياء كبيرة، فمثلا أنظر باستغراب وتساؤل لطريقة سلام الناس على بعضهم وهز أيديهم.. أيضا هذا التنوع والاختلاف بين البشر هى أشياء مثيرة للدهشة جدا.. يعني التفكير يجعلني أندهش من أبسط الأشياء.

أيضا أندهش من الفُجر والظلم والقسوة، الآلة الفظيعة والعمارات الضخمة كأنها حوت يبتلع المرافق، كل هذه الأشياء تثير الدهشة أيضا..

الدهشة جزء كبير من الفن، ومع السن يمكن أن يقل ذلك الاندهاش، لكن إذا ضاعت الدهشة بشكل نهائى لن أستطيع الكتابة.

  • وما الذي يقتل الدهشة في رأيك؟

أن تبيع نفسك، وألا تكون صادقًا، وأنا لم أقترب من الشعر في حياتي بأي شىء ينال من صدقه، ممكن أن أكتب ما أصدقه وتكون قصيدة ضعيفة، لكنني لا أخون نفسي.. وطالما أنا صادق مع نفسي؛ أستطيع الدهشة، لكن الأمر يختلف عندما يفقد الإنسان الثقة في نفسه.

  • هل يعني ذلك أنك لم تمر بأوقات فقدت فيها الثقة بنفسك وشعرك؟

حدث ذلك في أوقات ولكنها ليست كثيرة و«إلا ما كنتش كملت»، وأظن أن ذلك من الطبيعي أن يحدث في غياب مناخ ثقافي حقيقي أو في وجود مشاكل نشر.

هل تتصور أننا في الثمانينيات والتسعينات لم يكن لدينا مكان ننشر من خلاله، أما الآن هناك فيسبوك يمكن النشر من خلاله في أي وقت، على أيامنا كانت مجلة الثقافة الجديدة هي منفذ جيلي للنشر حيث نبعث بقصائدنا لـ محمد كشيك رحمه الله، وأنا أحيانا كنت أنشر في الأهرام عن طريق بهاء جاهين، ولا توجد أي منافذ أخرى، كنا نكتب القصائد ونسمعها لبعضنا عبر التليفون، أو في حلقات صغيرة من معارفنا من الشعراء وفي معرض الكتاب فقط.. ووسط كل ذلك تجد قصيدة ضعيفة لـشاعر ما منتشرة بشكل كبير، بالطبع مثل هذه الأشياء قد تفقدك الثقة بنفسك لبعض الوقت.

وفي لحظات الانكسار دائما ما أذهب للتاريخ القريب والبعيد، لذلك دائما ما أواجه لحظات فقدان الثقة بقراءة فؤاد حداد فأحس براحة وأشعر أنني محظوظ جدا لأنه أول من منحني «شهادة الشعر»

  • الزمن سؤال يشغلك في كل دواوينك.. لكنه يبدو مضطربا في الديوان الأخير فعناوين قصائده: «سيبك من اللي فات»، «كأن شيئا لم يكن»، «دع الماضي في حاله»؛ تعطي انطباعا عن رغبة في تجاوز الماضي.. بينما تحتفي القصائد بكل ما هو قديم.. بل إنك تشير إلى ديوانك السابق «في الموت هنعيش 2003» في قصيدة اختفاء.. فكيف ترى العلاقة بين الزمن والشعر؟

هذه منطقة شائكة، فالحنين للماضي معطل عن الدهشة، ولكن في نفس الوقت أي لحظة أكتبها تكون وقت قراءة القصيدة ماضي، إذا فالماضي بمعنى الحنين ورفض الواقع ليس مقبولا.

أنا أنفي عن نفسي رغبة الرجوع للماضي، لكن رغم ذلك أنا كنت أقوى في الماضي وهذه حقيقة، أو بتعبير الشاعر الراحل محمد كشيك: «أنا كنت جميل جدا والنبي يا ولاد.. بس العالم شوهني.. مين اللي أخدني لحد البحر وتوهني؟!».. وفي ديوان الوقت سرقنا قلت: «على فكرة..  امبارح قلت قصيدة جديدة مفيهاش أي حنين للماضي».

والوقت عموما هو مشكلة ضخمة بالنسبة لي، لأنك لو نظرت له من خارجه ستجده متساوٍ أو مجرد «خط زمني»، أما وأنت تعيش داخل اللحظة هناك تفاصيل كثيرة، لذلك فالتعامل مع الزمن شاغلني طوال الوقت.

  • تتحدث مع جمهور جديد لا تعرفه كما يبدو من مقدمة الديوان بعد أن كان شعرك «حبيس دوائر المثقفين» بحسب قولك.. هل ترى أن الشعر يحظى بجماهيرية الآن؟

كما قلت لك أنني عشت في فترة كنا نقول فيه الشعر لبعضنا في التليفونات وفي جلساتنا المغلقة وحتى منافذ النشر كانت محدودة، لكن على المستوى الشخصي اختلف معى الأمر تماما عندما غنت لي فرقة إسكندريلا «يحكى أن» ساعتها كنت سعيدا بالأمر وأستغربه في نفس الوقت، أصبح شعري يصل لدائرة أكبر وأناس لا أعرفهم.

بشكل عام فالشعر موجود طوال الوقت، لكن الفكرة: ما الذي يصل للناس؟ فلا نستطيع أن نقول الشعر غائب وكل الناس تغني وتسمع أغاني، إذا فالشعر موجود بكثافة، وهذا لا ينفي أن الكثير منه ردىء وأيضا هناك خلل في المنصات التي من المفترض أن تساهم في توصيل الشعر.

المنظومة التعليمية تعاني من خلل كبير في توصيل الشعر للتلاميذ، وهذا لمسته بنفسي خلال تجربتي مع «كورال الصعيد» وهم مجموعة أطفال من المنيا ذهبت لهم ذهبت لهم لأعلمهم إلقاء الشعر وننظم أمسيات معهم بأشعار فؤاد حداد وصلاح جاهين.. وعندما سألتهم عما حفظوه من الشعر في المدرسة لم أجد منهم من يحفظ أي شىء، لأن طريقة تدريس الشعر في المدارس منفرة لكن رغم كل المعوقات التي تواجه الشعر أستطيع أن أجزم أنه لا يوجد بلد فيها كم كبير من الشعراء مثل مصر ولكن المشكلة في الوسيط والمناخ الثقافي فلا توجد رؤية عامة أو خريطة حقيقية للثقافة المصرية.

أيضا لا توجد حركة نقدية حقيقية، أو جوائز لها ثقل في مجال الشعر، طبعا الجوائز مهمة في إلقاء الضوء على شعراء مختلفين، لكن مثلا في جائزة أحمد فؤاد نجم أستغرب من مستوى بعض الفائزين.

 ورغم كل هذه التحديات هناك جمهور مخلص للشعر وعندما ننظم أمسيات شعرية نجد تفاعلًا كبيرًا.

  • في ديوانك الأخير نرى زيارات متعددة إلى «فؤاد حداد»..

في مقدمة قصيدة «روحي تهجرني ليلا» نجد زيارة بالمعنى الحرفي لقبره.. لكن في قصيدة «عشان الشعر» تشير له في موضعين مختلفين حيث تقول: «هحكي لك يابا اللي حصل لي.. من غير ما استخدم قوافيك».. وفي نهاية القصيدة نفسها لاتزال تبحث عن اعترافه بك: «أبي.. كتبت شعرا، قرأته كله لك ورأيت استحسانك»..

أما في قصيدة «من الشباك» يحضر بشعره: «ناديت للأرض اللي بتتكلم عربي ما حدش رد».. متى تتمرد على شعر فؤاد حداد؟

فؤاد حداد هو شاعري الأعظم بحكم البنوة وحكم الذائقة التي تربيت عليها، لكن لو رجعنا إلى بديات كتابتي فأنا لم أكتب شعر إلى عندما أحسست بتقديم شىء مختلف عما يكتبه.

تعددت محاولاتي في البداية بين الفصحى والعامية في البداية بحثا عن صوتي الخاص، ولكن عندما وجد بهاء جاهين ومحمد كشيك وغيرهم يأتون إلى لإلقاء أشعارهم أحسست أننا جيل مختلف وله ملامح تخصه وبدأت أكتب وقتها.

طبعا هناك ظلال في قصيدتي مما قلبي، لكنني أعتقد أنني كنت سابق جيلي في استخدام التفاصيل اليومية للطبقة البرجوازية المصرية.

هاجس التشابه والاختلاف موجود عندي منذ بداية الكتابة، لكن أبي عبر عن استحسانه عندما قرأت عليه قصائدي.

طوال الوقت أرغب في كتابة قصيدة النثر لكنني أهابها

  • أنت دائما تبحث عن استحسانه واعترافه بك كشاعر

طبعا في البدايات، لكن الآن كثيرا ما يزورني في الأحلام صامتا، وأشعر أنه غير راض عن قصائدي.

لازلت أقرأ قصائدي له حتى الآن، أنا أعرف ذائقته جيدًا، وأحيانا أكتب ما أعرف أنه لن يعجبه لكنني أتمسك بها، أتمرد على ذائقته فهو أصلا من علمني التمرد والمغامرة المستمرة في الشعر، تعلمت منه ألا أقف في منطقة معينة.

  • قلت قبل ذلك «اسم أبويا ضرّني».. هل تفكر أحيانا كـ«شاعر» أنه من الأفضل ألا تكون ابنه؟

لا هذا تحريف لكلامي ولا يمكن أن أقول ذلك..

طول الوقت فؤاد حداد حاضر عند من يقرأني دائما، في مرة جار لنا كان يقرأ من ديواني: «باب السجن العالي الأزرق.. معتقلين باعتين جوابات» فقال لي: «وانت مالك ومال المعتقلين دول بتوع فؤاد حداد».

 حتى أنت عندما تحاورني يكون فؤاد حداد حاضرًا في الحديث، وأنا تصالحت مع هذا الموضوع لأنني وضعت نفسي مكان المتلقي الذي يرى «ابن فؤاد حداد بيكتب شعر».

وأبناء الشعراء والفنانين عموما عندهم هذه المشكلة، هذا ليس ضررا ولكنها مشكلة، قال لي أحد المعارف أنه عندما كانوا يروني أنا وبهاء جاهين في بداياتنا يقولون: «شعراء الوراثة وصلوا».. ولكن بعد سنين طويلة فهم الناس أننا صوت مختلف وشعراء بجد ولنا أشعار مهمة.. لم أتخذ موقفا حادا تجاه ذلك لكنه كان يجعل تعاملي مع الناس صعبا.

نشر في مجلة الثقافة الجديدة، ديسمبر 2021

أسرار جديدة عن الكاتبة المثيرة للجدل: أوراق مجهولة في حياة نوال السعداوي

عبدالله رامي

مؤلفاتها دائما مثيرة للجدل، وحواراتها مليئة بالألغام، ربما عن عمد منها أو لأن ذاتها لا تنفصل عن ما تكتب في أي من أعمالها، ما جعل وضع اسمها على غلاف كتاب يعني للبعض «الخروج من الصندوق» ولآخرين «الخروج عن النص» بهذه الطريقة تستهدف نوال السعداوي شرائح محددة من الجمهور وتنقل إليها أفكارها بكل وضوح كإلقاء حجر في المياه الراكدة.. من دون مداعبة للمشاعر أو محاولة للوصول لمن يخالفها الرأي.. لذلك عليك أن تبادر بالدخول لعالمها.. لتجد أن لها منطقها الخاص في النظر للبشر وللأشياء.. تحترمه حتى لو اختلفت معها.

 في كتابها «الأسئلة الممنوعة.. وتجميد العقل» الذي يصدر قريبًا عن مكتبة الأنجلو المصرية.. تطوف الدكتورة نوال السعداوي سريعًا على مقالات كتبتها في أوقات وأزمنة مختلفة.. تصدت من خلالها للآراء المتطرفة مطالبة بوأدها بدلًا من وأد النساء.. وتعارض السلطة إذا ما جارت على حقوق الأفراد.. لتصبح هذه المقالات المتنوعة وكأنها المحطات الرئيسية لأفكارها وشخصيتها.. لتلقي أسئلتها الممنوعة كالمياه الساخنة تذوب فيها ثلوج التطرف.

الأفكار الكبيرة بدأت مبكرًا

تشبه أفكار «نوال» مكعبات الليجو التي تراصت فوق بعضها واحدة تلو الأخرى منذ الطفولة.. إذ كانت كل المشاهد اليومية في طفولتها أشبه ببذور لأفكارها وفلسفتها تجاه الحياة وكأنها أثر فراشة لم يرى وقتها ولم يمحى من ذاكرتها لتواجه بعد ذلك بمفردها السلطة بجميع مستواياتها السياسية والطبقية والدينية إضافة للذكورية.

«من خلق الله؟» كان سؤالها الذي تجاهله مصطفى أفندي مدرس الدين في مرحلتها الإبتدائية.. متجاهلًا إصبعها المرفوع طلبًا للإجابة.. دفعه إصرارها في السؤال بالرد عليها بـ«احفظي ولا تسألي.. فالله لا يحب السؤال».. ظن الأستاذ أن رده قطع طريق نوال في السؤال عن الله.. لكنها كانت البداية الفعلية لتفكيرها.

ردت نوال على الأستاذ بسؤالها «ماذا كان يعمل الله قبل أن يخلق الكون؟» فرد عليها غاضبًا «كان يجهز النار لمن يطرح هذا السؤال».. هكذا كانت بداية الخوف والأسئلة المحرمة.. إذ إمتلأ خيالها بصور نار الله المعدة لها كما قال الأفندي.. وتشتت عقل الطفلة بين أسئلة تبحث عن إجابة وعذاب مرتقب حذرها منه مدرس الدين.

في نفس الفصل أحبت نوال  حصة الموسيقى لأنها لا تفرق بينها وبين زميلتيها «إزيس وسارة» كحصة الدين.. وفضلت الغناء والرقص على أنغام البيانو والعود بدلًا من صيحات مصطفى أفندي التي تشير بالعذاب الأليم لصديقتيها في نار جهنم الحمراء، وضربه بالمسطرة لمن يخطئ في آية أو يسأل عن الله.. تحول إصرارها في رفع إصبعها طلبًا للإجابة إلى دأب في البحث عن الله.. وبدأت طريقها في مواجهة كل سلطة دينية.. إذ تتجسد لديها في شخص «مصطفى أفندي»، وكانت خرزانة مدرس الدين ردًا على أسئلة نوال دافعًا لها للتمرد على جهنم الحمراء.. إذ أصبح العذاب في مخيلة الطفلة ردًا غير منطقي على أسئلة بديهية.

عارضت سارتر رجلًا وأحبته مفكرًا .. ومدرس الإبتدائية كان أول سلطة دينية تواجهها

في البيت ذهبت نوال لتسأل والدها عن سبب حجاب النساء في الصلاة عكس الرجال.. لكن يبدو أن إجابة والدها بوجود فرق بين الرجل والمرأة لم تقنعها.. وظل السؤال يطاردها بحثًا عن سبب تفرقة الأديان بين البشر بحسب الجنس.. إمتلأ رأسها بالكثير من علامات الاستفهام حول «المساواة» و «الرحمة» و«حرق الكافرين» هكذا تبلور في ذهنها مع الوقت توأم السلطة والجنس.

وفي طفولتها سمعت نوال والدها، أستاذ أصول الدين يعلق على منح أعضاء البرلمان لقب «الملك الصالح» لفاروق قائلًا:التجارة بالدين في حلبة السياسة دليل على الإفلاس.. لتعرف نوال ذلك المصطلح للمرة الأولى.. لتجد نفسها بعد ذلك مشاركة في مظاهرات الطلاب ضد الملك لتسقط لقب خليفة المسلمين (الوهمي).. وبين الخمسينات و2013 لم يتغير الأمر كثيرًا عندها في مواجهة سطوة رجال الدين.   

لم تكن السلطة الدينية وحدها هي ما يثير أسئلة صاحبة «المرأة والجنس» إذ كان نقد والدها للسلطة السياسية هو السبب الأول للفجوة التي ظلت قائمة بينها وبين السلطة.. ترى السياسة طوال الوقت صراعًا على السلطة والأموال.. حتى عندما اقترح عليها عدد من الشباب أن تترشح لانتخابات الرئاسة في عام 2005.. وضعت برنامجًا انتخابيًا من دون خوض سجال الانتخابات فهي لم تتعود تقديم القرابين حتى للجماهير.

برنامج نوال الانتخابي لم يكن سوى ملخصًا لأفكارها التي دافعت عنها سنين طويلة.. من المطالبة بلا مركزية السلطة.. وتغيير فلسفة التعليم وكسر المحرمات الموروثة والقيود السياسية والدينية.. إضافة لتحرير الاقتصاد من قبضة المعونات الأجنبية وفرض الضرائب على الأثرياء.. نقاط محددة وواضحة تجسد حربها على جبهات متعددة في ذات الوقت.

اللقاء الأول مع سيمون دو بوفوار

سيمون دو بوفوار التي يراها الكثيرون رمزًا للنسوية وحرية المراة.. كانت في نظرة نوال حبيسة حب سارتر.. في منتصف الستينات زارت سيمون القاهرة بصحبة جان بول سارتر بدعوة من جريدة الأهرام.. لتذهب صاحبة «الأنثي هي الأصل» لمقابلة صاحبة «الجنس الآخر».. بعد اللقاء الأول عبرت نوال عن خيبة أملها في كاتبتها المفضلة التي بدت على الحقيقة أكثر تبعية لسارتر.. وكتبت عن تلك الواقعة في مجلة روزاليوسف مقالًا بعنوان «ساعة من الصمت مع صانعة الكلمات».

ميل نوال للمرأة كان هو الثابت الذي تنطلق منه كل أفكارها.. إذ رأت أن سيمون دو بوفوار كان بإمكانها أن تكون فيلسوفة أكثر أهمية من جان بول سارتر.. لكنها تنازلت عن ذلك لتغلبه عليها فكريًا وعاطفيًا.. حتى أصبحت تابعًا له لا ندًا «تذرف عليه دموع الحب الأحادي.. بينما عاش متعدد العلاقات يتنقل بين النساء كما يشاء.. معلنًا أنه لم يذرف دمعة واحدة على أية امرأة».

بين سارتر الرجل.. وسارتر المفكر

مهاجمة نوال لسارتر كرجل لم تمنعها من اتباع فلسفته كمفكر.. إذ كرهت دور النخبة الثقافية وكتاب البرج العاجي قائلة «تفشل الثورات التي تقودها النخب.. وإن نجحت الثورة وحصلت على كرسي الحكم سرعان ما تفقد مبادئها ومثلها العليا.. وتصبح أكثر تسلطًا وعنفًا من السلطة التي ثارت ضدها وأسقطتها».

وعن مدعي الثقافة من النخبة تقول «يتصور الكاتب منهم انه يزداد قيمة حين يردد بعض الأسماء المرموقة.. أو يتعمد التعقيد اللغوي والغموض أملًا في بث الرهبة في النفوس.. ولا يعرف هؤلاء الكتاب أنه لايبقى في الذاكرة إلا البسيط الواضح أو السهل الممتنع».

لماذا يتجاهل قراء الغرب نوال السعداوي؟!

مجموعات النسويات في الغرب تطلق على نوال السعداوي «سيمون دو بوفوار الشرق».. لكن يبدو أن هناك من يتحفظ على أفكارها الاشتراكية.. إذ ترجمت دار النشر البريطانية كتابها«الوجه العالي للمرأة العربية» وغيرت عنوانه ليصبح «الوجه الخفي لحواء» إضافة لحذف أجزاء من الكتاب عن «المرأة والعمل وأخرى عن «المرأة العربية والاشتراكية».. لكن ما سر حذف هذه الفصول بالتحديد؟

 الدكتور جيمس هولستيون، أستاذ الإبداع الأدبي واللغة في جامعة«صاني»، كشف في رسالته للدكتورة نوال السعداوي عن سب حذف تلك الأجزاء من كتابه، مشيرًا بأن ذلك يرجع لإنتماء أغلب النسويات في الغرب إلى الليبرالية ولا يتحمسن للاشتراكية، إضافة لتجاهل الماركسيين من الرجال لكتابات نوال السعداوي.

بينما ترى نوال أن مشكلة المجموعات النسوية في الغرب هي تجاهل البعد الطبقي في قضية المرأة، واعتبار أن السلطة الأبوية البطريقية هي المشكلة لا النظام الأبوي بالكامل.. هكذا تجاهلت الليبراليات من النساء في الغرب منتج نوال الفكري بينما وجدت أن أفكارهن تحمل كثيرًا من التناقض والإزدواجية.

حوار مع الوجه الآخر

 ليس غريبًا أن ترى انعكاس صورتك عند النظر إلى المرآة.. لكن هل يمكن أن ترى شخصًا آخر؟ أو صورتك التي كنت ستصبح عليها لو سلكت طريقًا آخر؟.. هذا ما حدث مع نوال لكن في مرآة البشر.. فبعد مرور الكثير من سنوات التقت صديقة شبابها التي أصبحت فنانة مشهورة.. لم تتعرف على ملامحها التي اختفت خلف مساحيق الوجه.. وتحولت الملامح التي عاشت معها كثيرًا من الذكريات إلى وجه باهت وضحكة مصطنعة.. ودار الحديث بينهما (بين نوال ووجها الآخر):

  • أنا تغيرت يا نوال.. لم أستطع مقاومة الضغوط وكان التيار أقوى مني.. كان لابد أن أخضع وأستسلم مثل كل النساء وكل الزوجات.. وإلا أنتهي تمامًا
  • أفهمك ولكن لا أتفق معك
  • –          يا نوال يمكن أن نقاوم كل شىء إلا الزمن.. لابد أن أكون مثل كل النجمات والفنانات وإلا فقدت مكانتي الفنية.. يمكن تغيير مفهوم الزمن والأنوثة والحب والفن.. لكن الشيخوخة كيف نغييرها؟
  • يمكن تغييرها بالوعي الجديد عن مفهوم الزمن والحب والسعادة.. واكتشافات العلم الحديث في الطب والمخ والخلايا الجذعية.. لي صديقة تجاوزت المائة عام وتعيش عمرها في سعادة وثقة وحرية

في مقالها بعنوان «حوار مع ممثلة مصرية مشهورة» كانت نوال تحاور ووجهها الآخر الذي تغلبت عليه ورفضته.. تقف ثابتة على حذائها المسطح لتواجه ذوات الكعوب المدببة وتقول بصوت يمزج بين الشفقة والسخرية: أنا انتصرت.. تغلبت على قيود المجتمع وأفكاره لأصبح أنا ولأجيب عن كل أسئلتي من دون خوف سواء من خرزانة الأفندي أو جهنم الحمراء.

مجلة روزاليوسف 23 نوفمبر 2019

منتقبات وسائقو «توك توك» في بيوت التنوير: «خفافيش الظلام» في وزارة الثقافة!

عبدالله رامي

في الوقت الذي تسارع فيه مؤسسات الدولة للتأكيد على هويتنا  المصرية، بات الخلل واضحًا في قطاعات وزارة الثقافة المنوط بها القيام بذلك الدور، بما تمثله من قوة ناعمة.. لكن ما يحدث على أرض الواقع هو العكس تمامًا، فالوزارة في وادٍ آخر، مشاكلها كما هي والأزمات لا تحل منذ سنوات.

«اقتل البعوض بدلًا من تجفيف المستنقع» هكذا يتعامل الدكتور أحمد عواض، رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، مع أزمات الهيئة، التي تمثل القطاع الأكبر والأكثر انتشارًا في الوزارة، فمنذ تعيينه في المنصب في نوفمبر 2017 لم يجر حوارًا  صحفيا واحدًا يشرح فيه خطته لحل مشاكل الهيئة، حتى عندما تم نشر أوراق تشير لبعض أوجه إهدار المال العام في عهده – قبل عامين – كان يكتفي طوال الوقت بالإشارة إلى أن هذا الكلام غير صحيح من دون تقديم أية أدلة.. أي أنه يتعامل – في أغلب الأحيان – على أن أخطائه الإدارية ماهي إلا أزمات عابرة.

أحمد عواض

قبل أيام ظهرت على السطح قضية «منى القماح» المنتقبة التي تولت رئاسة قصر ثقافة كفر الدوار؛ لتثبت مرة أخرى الفشل الواضح في إدارة ملف قصور الثقافة، فبعد إثارة الموضوع على وسائل التواصل الاجتماعي، جاءت خطوة الوزارة متأخرة كالعادة في إلغاء تكليف «المنتقبة» (التي كانت “قائمة بالأعمال” من حيث الأصل).

البيان الصادر عن هيئة قصور الثقافة وتصريحات «عواض» التي صدرت في أعقاب ضجة وسائل التواصل الاجتماعي، ذكرت أن ماحدث كان تسييرًا للأعمال وليس تعيينًا، وأن «القماح» موظفة على الدرجة الثالثة ولا يمكن تعيينها لإدارة القصر حاليًا، وأكد عواض بنص تصريحاته أنه «لا دخل للنقاب في هذا الأمر.. وسيتم محاسبة من اتخذ هذا القرار المخالف للقانون، والذي أثار ضجة كبيرة».

لكن..كيف كانت ستتصرف الهيئة مع الأمر (المخالف للقانون)، لو لم يتم إثارة الأمر على وسائل التواصل الاجتماعي؟!.. أغلب الظن أن الأمر كان سيمر مرور الكرام!

فبأيادٍ “مرتعشة” يحاول «عواض» أن يكسب الرأي العام بجبهتيه (المهاجم للنقاب والمدافع عنه) في الوقت ذاته.. وبهدف واحد هو البقاء في منصبه و«عدم إثارة الضجة»، من دون الإحساس بوجود أدنى مشكلة في وجود “مد سلفي” داخل قصور التنوير.. سواء على الدرجة الثانية أو الثالثة!.. لكن ما فعله لم يخل من المنطق أيضًا، فما الضرر من وجود منتقبات في قصور أغلبها لا يقوم بدوره من الأساس؟ .. المهم هو تحاشي «الضجة»!

يقول أحد موظفي الهيئة – فضل عدم نشر اسمه – أن تعليمات عواض كانت صريحه بعدم تحدث أي موظف للإعلام والصحافة قائلًا على لسانه «ما حدش يتواصل مع الإعلام.. مش ناقصين وجع دماغ ومصايب»، ويوضح المصدر أن رئيس الهيئة شدد في ذلك الحظر الإعلامي خاصة على موظفي قصور وبيوت ثقافة الأقاليم.

الأن على «عواض» أن يواجه الأزمة التي لا يمكن حلها بالبيانات وتحتاج لعمل حقيقي لمواكبة خطوات الدولة

♦♦♦

«روزاليوسف» تواصلت مع عدد من موظفي هيئة قصور الثقافة من الأقاليم، لتعرف من خلالهم الأزمات التي يعاني منها ذلك القطاع.. وكانت المفاجأة في أن «منتقبة كفر الدوار» ليست الوحيدة.. ولم ينجح الحظر الإعلامي الذي فرضه «عواض» في إخفاء شىء من الحقيقة، فقط جعل المصادر تفضل ذكر الحروف الأولى من أسمائها.

تشبه حكاية (ن.م) صاحب الـ 40 عامًا، الموصف بقصر ثقافة المنزلة بمحافظة الدقهلية، ما جرى لوزارة الثقافة، فخريج كلية الآداب قسم الفلسفة عيّن في القصر منذ 15 عام، وكان وقتها هدفه هو إقامة الندوات لتبسيط الفلسفة للعامة يقول «أنا كان نفسي يبقى ليا تأثير كويس على ثقافة الناس.. وأخليهم يسمعوا مزيكا ويشوفوا لوحات عالمية ويفكروا في الأسئلة الفلسفية.. لكن لما اتعينت الروتين كان أقوى مني.. وعشان أعمل ندوة محتاج كام إمضاء وتوقيع للموافقة.. مكتبة القصر مادخلهاش كتاب جديد خلال سنة ونص»

ويضيف عن حالة القصر «دلوقت الناس بتتكلم عن منتقبة كفر الدوار.. أنا ليا 3 زميلات منتقبات في القصر ولو حد من الشباب دخل القصر يدور على كتاب أو يسأل على نشاط بيكرهوه في عيشته عشان يروقوا دماغهم.. وجود مقتصر على انهم يمضوا ويقعدوا ساعتين ويروحوا وبس.. وزمايلي معاهم تكاتك وبيتعاملوا مع القصر ده على أنه وظيفة بتجيب قرشين آخر الشهر.. الشباب في المدينة بيعملوا أسر ثقافية بعيد عن القصر بعد ما كرهوا التعامل الروتيني والتعنت في كل حاجه».

♦♦♦

لم يختلف الأمر كثيرًا في قصر ثقافة أجا، (و.أ) صاحب الـ45 عامًا، الحاصل على معهد الخدمة الاجتماعية، وعين في القصر منذ 10 سنوات عن طريق الواسطة بحثًا عن الأمان الوظيفي، يقول «رغم إني اتعينت عشان آلاقي معاش في آخر أيامي يسند ولادي لكن ما يحدث في القصر ما يرضيش حد.. إحنا حتى الأنشطة اللي بنقدمها بتبقى بشكل صوري عشان يبان إننا بنعمل شغل.. إنما أنا كتير بتحسر على عدم استغلال مبنى زي ده.. في الوقت اللي فيه ولادنا قاعدين على النواصي وفي البلايستيشن.. وحتى لما بيجيلنا شاب عاوز يشارك في الأنشطة بنعمله استماره ونمشي الورق لحد ما يزهق هو من نفسه.. لأن كل واحد فينا ملهي أكل عيشه».

وعن وجود منتقبات في القصر يقول «طبعًا ليا زميلات أقدم مني منتقبات.. وموجود كتير في بيوت الثقافة التابعة للقصر.. ومعانا ناس في القصر شايفة الأغاني حرام وقراية الروايات حرام.. وما بقولش إني الوحيد اللي كويس.. والموضوع ما فرقش معايا غير لما لقيت عيالي بيكبروا قدامي وأنا مش عارف أقدملهم حاجة».

في بيت ثقافة سنورس بمحافة الفيوم، يقول (غ.ط) أن مكتبة البيت الصغيرة مغلقة طوال الوقت ولا يتم فتحها إلا أثناء الزيارات النادرة من قصر الفيوم «الحقيقة مش هبقى ببالغ لو قلت إن المكان بالنسبالنا  مجرد قهوة بنقضي فيها ساعتين وبعد كده كل واحد بيجري على أكل عيشه.. أنا كنت بكتب شعر زمان وحاولت كذا مرة أعمل أمسيات هنا في البيت لكن الموضوع صعب.. والحقيقة ماحدش فينا عنده حاجه يقدمها لا في الشعر ولا في الثقافة.. أنا بقالي 5 سنين على الأقل ما قريتش كتاب وقليل لما نلاقي مجموعة كتب جاية للمكتبة بدل ركنتها في المخازن».

ويضيف «المفروض يتم استغلال البيوت والقصور دي في توفير كل وسائل الثقافة لولادنا بدل ما هي مهجورة كده.. طول الوقت بسأل ليه ما بيتمش توفير مكان على الأقل الطلبة ييجو يذاكروا ويقرأوا فيه.. لكن للأسف ده مش هيحصل إلا بقرار من فوق.. مفيش موظف يعرف يعمله».

لم يقتصر الأمر على قصور الثقافة فقط، إذ يقول أمين إحدى المكتبات التابعة للهيئة بمحافظة الجيزة، أن المكتبة لم يدخلها كتاب جديد منذ سنتين على الأقل، حتى إصدارت الهيئة نفسها أغلبها غير متوفر «فيه كتب كتير مش متوفرة.. وبستغرب إن الهيئة بتصدر عناوين وكتب كويسة لكن ما بتعملهاش الدعايا الكافية ولا بتوزعها بشكل جيد والكارثة إن فيه إصدارت للهيئة ما وصلتش المكتية حتى.. وفي الآخر نعرف إنها مركونة في المخازن».

♦♦♦

هذه الشهادات من أبناء الهيئة لم يكن هدفها أبدًا إثارة الضجة التي يخشاها «أحمد عواض».. مجرد جزء صغير مما يحدث.. فبين من كان يحلم بتبسيط الفلسفة للناس ومن وضع أمام عينيه مستقبل أبنائه خرجت الكلمات صادقة.. حتى من اعتذر عن الحديث خوفًا من البطش كان صادقًا في وصف ما وصلت إليه الهيئة من ترد.. فشرايين التنوير في الأقاليم وحتى في القاهرة الكبرى تجلطت فيها دماء الإبداع بحكم الإهمال.

يبقى سؤال مهم: ماذا قدم الدكتور أحمد عواض لهيئة قصور الثقافة منذ توليه رئاستها؟.. الآن على رئيس الهيئة أن يواجه الحقيقة التي لايمكن حلها بالبيانات والتصريحات، إذ تحتاج لعمل حقيقي وسعي دؤوب لمواكبة خطوات الدولة، وتتطلب شجاعة اتخاذ القرار لا أنصاف الحلول لتهدئة الموقف.. في هذه اللحظة يصبح التبرير خيانة للمسئولية.

أحمد صبري غباشي: «ماليش» مثل أعلى في التمثيل


عبدالله رامي
بخطوات ثابتة يبدأ الممثل الشاب أحمد صبري غباشي طريقه الفني، بين أدواره في العدد من الأفلام القصيرة التي أداها بكامل طاقته الفنية لينقل في دقائق معدودة تفاصيل وأبعاد الدور كاملة، وبين تجاربه في المسرح التي تتضمن الإخراج والكتابة والتمثيل.. وبالنسبة له كل ذلك ما هو إلا .صورة أو تصنيف تخرج فيها الحالة الفنية التي بداخله
فاز«أحمد» مؤخرًا بجائزة أفضل ممثل بمهرجان عيون السينمائي في بغداد عن الفيلم القصير«اللقاء»، كما يواصل أداء دوره في مسرحية «الملك لير» أمام العملاق يحيى الفخراني.. التقيناه وكان لنا معه هذا الحوار

هل ترى تعارضًا بين حصولك على جائزة أفضل ممثل في مهرجان عيون وجائزة أفضل مخرج في مهرجان آفاق مسرحية؟

أنا لا أجد أي تعارض بينهما، بالعكس في نظرى أن التمثيل والإخراج وحتى الكتابة متداخلين بشكل يصعب فصله، فعندما أكون محمل بفكرة ما فإنها تخرج إما في صورة عرض مسرحي أقوم بإخراجه أو دور أقوم بتمثيله أو كتابة نص مسرحي كامل دون أي تناقض أو تعارض، ففي الكثير من الأوقات كنت أقوم بإخراج المسرحية وتمثيل دور البطولة، الأمر ببساطة أنني أندمج في الحالة الفنية بشكل كلي.

من وجهة نظرك ما مدى تأثير تجاربك في الكتابة والإخراج والتمثيل في وقت واحد على مستوى جودة كل منهما ؟

الحقيقي تأثيرهم إيجابي بشكل كبير، فتجربة الإخراج كانت سببا في تطور الممثل داخلي، وهكذا الكاتب يتطور بالتوازي معهما، ومهما اختلفت صورة المنتج النهائي تندرج كل هذه الصور تحت مظلة واحدة وهي (أنا

تشارك حاليًا في مسرحية «الملك لير» في دور ملك فرنسا .. ما كواليس ترشيحك للدور واعدادك ليه؟

تم ترشيحي في «الملك لير» باتصال مباشر من مخرج العرض تامر كرم، وأنا كنت من آخر الأدور المنضمة للعرض، وكان حضور البروفات والالتزام بالمواعيد جزءً كبيرًا من إعدادي للدور، إضافة لأن كل الممثلين المشاركين كانو يعملون بروح الهواة وهو ما فرض على حالة شديدة من الإنضباط، والاهتمام الكبير باللغة، ورغم إنني عملت أدوار أكبر في المسرح على مستوى مساحة الدور وتعقيدة إلا أن التمثيل أمام الفنان يحيى الفخراني تجربة ممتعة ومهمة جدًا بالنسبة لى.

من الممثل الذي تعتبره مثلًا أعلى لك ؟

أنا مختلف مع هذا المسمى، لأن ببساطه ذلك يعنى أنني في الطريق لأن أكون نسخة من ذلك الشخص، «أنا معنديش مثل أعلى في التمثيل أو في الفن عمومًا» لكن لدي فنانين مفضلين بالنسبة لى أحاول أن أقتبس من كل منهم ما يحلو لي لأصيغ ذاتي الفنية الخاصة حتى لا أكون نسخة مكررة من أحد، فأحب من الممثلين المصريين أحب توفيق الدقن ومحمود المليجي ومحمود مرسي وأحمد زكي وسعاد حسني وفاتن حمامة  وماجد الكدواني وسيد رجب وخالد الصاوي وخالد صالح ومنة شلبي وهند صبري.

أتعامل مع كل دور أقوم به على أنه سيبقى وهو ما يجعلني أبذل فيه مجهودًا كبيرًا

خلال الفترة الأخيرة كنت بطل لـ 5 أفلام قصيرة.. هل بتتعامل مع الأفلام القصيرة على انها مجرد تدريب على الكاميرا ..أم تفضلها على الأفلام الروائية الطويلة والمسرح لأن مجهودها أقل؟

تجارب الأفلام القصيرة كانت مهمة بالنسبة لي، بالتأكيد هي تدريب جيد على الكاميرا ونزول السوق، لكنني لا أتعامل مع الأفلام القصيرة التي تعرض عليّ أنها مجرد تدريب فقط فهذا سبب فرعي، لأنها عمل فني مستقل وأعطيها حقها الكامل في الإعداد للدور رغم قلة الشريحة التي تتابع الأفلام القصيرة، لكنني أتعامل مع كل دور أقوم به على أنه سيبقى وهو ما يجعلني أبذل فيه مجهودًا كبيرًا.

باعتبارك من الممثلين الشباب ما أبرز التحديات التي تواجهك ؟

التحديات كثيرة، أبرزها الزحمة الشديدة في الوسط الفني وهو ما يجعل محاولة إيجاد مكان لنفسك وسط كل هذا الإزدحام والشللية أمر صعب جدًا، أحاول أن أحفر إسمي وأنا «ماليش ضهر فني» لأنني لست من عائلة فنية على سبيل المثال أو أمتلك واسطة، التحدي الثاني أنني قادم من الأقاليم وهو ما يجعل الأمر صعبًا في البداية عند محاولة التأقلم مع المجتمع الجديد، لكن بشكل ما بشوف أنني وضعت أساس لمشواري، لكن في النهاية المقياس الفني ليس هو المعيار الوحيد للتقدم في الوسط.

 هل هناك دور معين تتمنى تمثيله؟

في المسرح أتمنى القيام بدور هاملت، أما في السينما صعب اختيار دور معين لكنني أفضل أن أقوم بتمثيل في أفلام مأخوذة عن أعمال روائية لأن العمل الأدبي تكون فيه الشخصيات منحوته بشكل يبرز ملامحها وتفاصيلها وأبعادها أكثر وضوحًا ويكون هذا الدور بالنسبة لي كممثل وجبة دسمة، فأغني الأعمال فنيًا هي المأخوذة عن أعمال أدبية لأن ذلك يعطي ثقلًا للعمل.

ما العمل القادم الذي تقوم بالتجهيز له؟

في الفترة القادمة أقوم  بدور «أبو بكر» ابن الخليفة المستعصم في مسرحية «هولاكو» وهو أحد أبطال ذلك العمل المسرحي الضخم، وسيتم عرضه على المسرح القومي من إخراج الأستاذ الكبير جلال الشرقاوي، وتأليف فاروق جويدة، كما أشارك في مسلسل «بحر» للفنان ماجد المصري.

تامر عبد المنعم: أراهن على عودة قصر السينما للخريطة الثقافية

عبدالله رامي

في الوقت الذي تعاني فيه الهيئة العامة لقصور الثقافة من مشاكل كثيرة خاصة في الأقاليم حيث فقدت قصور الثقافة هناك روادها وأصبحت أشبه بالبيوت الخربة وفقدت مراكز الثقافية الجماهيرية جماهيرتها من الأساس؛ عادت الحياة لقصر السينما، برئاسة الفنان تامر عبدالمنعم، بعد أكثر من 3 أعوام لتجديده.. وباعتبار«تامر» صاحب تجربة ناجحة في إدارة قصر السينما بين 2006 و 2011 ذهبنا لنسأله عن خطته للفترة القادمة والتغيير الذي ينوي إحداثه في القصر، ونحاول البحث معه عن نقاط القوة التي يمكن أن تحدث طفرة في الهيئة العاملة لقصور الثقافة كونه أحد أبنائها، وكان لنا معه هذا الحوار

ما أبرز التحديات التي تواجهك خلال إدارتك لقصر السينما بعد تجديده؟

التحدي الأهم من وجهة نظري أن أعيد قصر السينما على الخريطة الثقافية مرة أخرى بقوة، وأعد أن أنافس به جميع المراكز السنمائية سواء كانت داخل وزارة الثقافة أو خارجها، كما تعودت في فترة إدارتي السابقة بين 2006 و2011.

بذكر الفترة السابقة، ما الذي تغيير بين الفترة السابقة لإدارة القصر والآن؟

مصر كلها تغيرت، والدولة أمام تحديات جديدة وأنا ترس من تروس الدولة ولابد أن نستطيع كفريق مواكبة هذا التغير والتطور، فأنا لدي مجلس استشاري من السينمائيين نضع خطة تتضمن كيفة الدعايا للندوات التي تقام في قصر السينما ونوعية الأفلام التي يتم مناقشتها ونعمل على تنفيذها كل شهر، بالطبع حققت نجاح أثناء إدارتي السابقة ولكن علينا أن تفاعل مع التغييرات التي حدثت من تكنولوجيا وغيرها للوصول لكل محب للسينما، فالقيادة السياسية وجميع أجهزة الدولة تتحرك لتحقيق حلم 2030، وهذا الحلم لا يمكن تحقيقه سوى بعمل جميع قطاعات الدولة ومن ضمنها وزارة الثقافة باستغلال كل امكانيتها لتحقيق ذلك الحلم.

كيف انعكست التحديات التي تواجهها الدولة ووزارة الثقافة على قصر السينما وعلى إدارتك؟

مع وجود هذه التحديات لابد أن أكون على قدر من الكفاءة يتناسب مع التطورات التقنية والبنية التحتية التي حدثت في قصر السينما، لأنني اليوم لايوجد لدي حجة للفشل مع توفر تلك الإمكانيات، ودورى الآن هو استغلالها بأفضل طريقة.

لكن في قطاعات الثقافة الإمكانيات ليست مباني فقط فالميزانية أمر مهم أيضًا؟

المبنى جزء كبير من الميزانيات، وأنا أرى أن «الثقافة عمرها ماكانت بالميزانيات» لأن الثقافة فكرة وطوال الوقت تعتمد على الأفكار الجيدة لا الميزانية، فأننا لست مستثمر عقاري أو شركة تنقيب عن بترول لكي تصبح الميزانية ورأس المال أمر مهم، لكن منتج الثقافة هو الأفكار والخطوط والألوان، وأقوم بتسويق سلعة غير مادية وهي الفن والثقافة.

بما أنك ترى أن الثقافة والفنون منتجات غير مادية وتعتمد على الأفكار لا الميزانيات، هل يمكن استبدال هذه المباني بالتكنولوجيا باعتبارها شىء غير مادي أيضًا وتصبح قصور الثقافة المهجورة في الأقاليم مجرد «أبلكيشن» أو موقع إلكتروني؟

لا طبعًا، لأنني عندما أقول أن الثقافة مجرد فكرة فالطبع أن هذه الفكرة تحتاج إلى المكان مناسب لمناقشتها والعمل عليها وعرضها، فالمسرح على سبيل المثال يبدأ بفكرة لكنها تحتاج لمكان ملائم للعرض، ولا أنا لا أختلف أن هناك قصور ثقافة مهجورة، فقصر السينما نفسه ظل مهجورًا 3 سنوات بعد أن تركته في 2011 ولم يقدم أي نشاط، لأن إدارة قصور الثقافة ليست منصب شرفي وعلى كل شخص أن يجد فكرته لتطوير المكان الذي يديره مع فريق عمل متخصص، لا أن نحول الكيانات الثقافية لمنصات إلكترونية، لكن في نفس الوقت من الممكن أن يتم تسويق الأفكار والمباني من خلال التكولوجيا، وفي المقابل نجد دول تمتلك ميزانيات كبيرة ولا تقدر على إنتاج ثقافة.

لولا أنني مرتاح ماديًا لما كنت أستطيع الإبداع والتفكير،ودورنا كمثقفين هو التركيز على الهوية المصرية

ذكرت أن هدفك هو إعادة قصر السينما للخريطة الثقافية، فما خطة وآليات تحقيق ذلك؟

سيتم تحقيق ذلك الهدف من خلال الأنشطة والندوات والعروض التي يستضيفها القصر، إضافة للتعاون مع جميع المؤسسات الثقافية والسينيمائية، فمن غير المنطق أنه إلى الآن لا يوجد تعاون بين قصر السينما ومهرجان القاهرة السينمائي أو أن تتاح عروض المهرجان في قصر السينما، وهذا ينطبق على كافة المهرجانات والمؤسسات الثقافية.

في ضوء تلك الأفكار ما الخطوات التي تمت بالفعل؟

 تواصلت مؤخرًا مع الناقد الأمير أباظة، رئيس مهرجان الإسكندرية، لعرض فيلم «دمشق- حلب» في قصر السينما يوم 29 يوليو، وهو أحد الأفلام الهامة بطولة الفنان الكبير دريد لحام، بالتوازي مع ذلك نقوم في القصر بعمل برنامج نجم وندوة لاستضافة النجوم والحديث عن تجاربهم الفنية ويتبع الندوةعرض لأحد الأفلام التي شارك فيها الضيف، كما يتم الإعداد لعرض أفلام إفريقية في القصر بالتزامن مع رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي ومحاولة للتبادل الثقافي وعرض أفلام من جميع أنحاء العالم.

بعض الشباب ليس لديهم الإمكانيات لإنتاج أعمالهم الأولى فهل يدعم القصر ذلك؟     

بالطبع يقوم القصر بإنتاج الأعمال الأولى للشباب، كما يشارك الشباب في مجموعة من الأفلام تحت اسم «الغائب الحاضر» وهي سلسلة أفلام تسجيلية لعرض سيرة كبار السينمائيين الراحلين، الشهر الماضي عرضنا فيلم عن المخرج حسن الإمام، ويوم 31 يوليو سيتم عرض فيلم عن السيناريست عبدالحي أديب، ويتم استكمال عرض السلسلة شهريًا على مدار عام كامل، كما بدأنا ورش دراسات السينما الحرة مع الدكتور سمير سيف والدكتور أشرف محمد ةالدكتور مختار يونس ويتم تأهيل الدارس بشكل عام في 16 محاضرة، لينتقل بعد ذلك للدراة المتخصصة وفي النهاية يتم اختبار الدارسين وينتج القصر أول أعمال الأوائل، إضافة لإقامة الدورة الثانية من مهرجان أفلام المحاولة الأولي في سبتمبر القادم بعد 9 سنوات من دورته الأولى.

البعض يحاول التشكيك في قدرة المؤسسات الثقافية والفنانين الآن على نشر الهوية المصرية فما ردك على ذلك؟

   المؤسسات الثقافية والمثقفون والفنانون قادرين بالفعل على تسويق ونشر الهوية المصرية كما فعلت أم كلثوم بعد النكسة لتحيي حفلات في أوروبا طالبة وخصصت عوائد تلك الحفلات للإنتاج الحربي فخرجت الصحف الإسرائيلية بمانشيت «مصر لم تمت»، فالمؤسسات الثقافية والفنية هي المعنية بذلك لأنها قوة مصر الناعمة، وهذا أحد أولويات قصر السينما ففي شهر سبتمبر القادم نستضيف نادي «إيجيبتولوجي» للحديث عن علم المصريات وعلاقته بالسينما، ولابد أن تقوم وزارة التربية والتعليم والهيئة العامة لقصور الثقافة بجميع إدارتها بالتركيز على نشر الهوية المصرية ليس قصر السينما.

على ذكر الهيئة العامة لقصور الثقافة الثقافة والتي تعاني كثير من المشاكل على مستوى زيادة عدد العاملين وعجز الكثير من قصور الثقافة عن القيام بدورها، من خلال تجربتك في إدارة قصر السينما ما وجهة نظرك لحل هذه المشكلات؟

في البداية علينا عن أن ننظر للجانب الإيجابي، فبعد تولي الأستاذ جرجس شكري إدارة النشر أحدث طفرة كثيرة في هذا المجال ولابد من تكريمه لدوره الفعال ويكفي ما أحدثه من تطور في سلسلة المسرح العالمي، لكن في المقابل نجد قصور في التوزيع رغم وجود أماكن كثيرة تتبع الهيئة يمكن استغلالها كمنافذ بيع مما يحدث طفرة، أما بالنسبة لقصور الثقافة ففي رأيي أن المسئولية تقع في المقام الأول على رئيس القصر وهو المنصب الذي يحتاج لكوادر متخصصة، في نفس الوقت أنا تجربتي مختلفة ولولا كوني مرتاح ماديًا فلن أستطيع التفكير والإبداع براتب 2800 جنيه.

لوائح هيئة قصور الثقافة تمثل عائقًا كبيرًا لأي تقدم ولا بد من تغييرها، فمن غير المنطقي أن نعمل بطريقة الستينات حتى الآن دون تغيير

كم تبلغ ميزانية قصر السينما، وما الأوجه التي يتم الإنفاق فيها؟

ميزانية القصر تتراوح بين 150 إلى 200ألف جنيه سنويًا، ولدي على قوة القصر 64 موظف إضافة لشركة الأمن والنظافة، ويتم صرف هذه الميزانية على أنشطة القصر والدراسات الحرة وإنتاج الأفلام، مع العلم أنني في الفترة السابقة كان القصر يكسب حوالي 300 ألف جنيه سنويا من الدراسات الحرة وهذا ما أستهدف حدوثه مرة أخرى.

الفكرة السائدة عن المؤسسات الثقافية أنا تخسر فكيف غيرت تلك المعادلة؟

أنا الظرف عندي مختلف ففي الوقت الذي تنتشر فيه مراكز كورسات السينما بير السلم وتأخذ من الدارس ما بين 15 و20ألف جنيه أنا أقوم بدوري كقصر ثقافة متخصص من خلال توفير الدراسات الحرة بـ 1500 مقابل الدورة كاملة لمدة 3 شهور وهو ما يحقق مكسب وفائض في النهاية.

هل تسعى لاستقطاب رعاة لقصر السينما؟

الحقيقة أنا أتمني ولكن للأسف هذا الأمر مرفوض وتعطله اللوائح، فأنا في يوم 6 أكتوبر 2017 كنت مسئول عن حفل الهيئة العامة لقصور الثقافة ويومها تواصلت مع رعاة للحفل في وقت أن كان الأستا أشرف عامر رئيسًا للهيئة وصل المبلغ وقتها حوالي مليون ونصف لكن الروتين عطل الأمر ولم يتم، وبالمناسبة هذه اللوائح لابد من تغييرها لأن تمثل عائق كبير لأي تقدم، فمن غير المنطقي أن نعمل بطريقة الستينات دون تغيير.

إحنا أممنا القناة

عبدالله رامي

«تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية» ظلت هذه هي الجملة الأكثر جدلًا حتي بعد مرور 64 عامًا بعد أن أعلنها الرئيس جمال عبدالناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية، خلال الاحتفالات بالذكرى الرابعة لثورة 23 يوليو، رغم تأييد الشعب وقتها لذلك القرار بإعلان السيادة المصرية على المجرى الملاحي الأهم؛ كان هناك من قرر التنظير خاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر باعتبار أن التأميم كان سببًا أساسيًا لهذا العدوان.

أصحاب هذه الطريقة في التفكير ممن يرفعون شعار «لو لم تستطع المقاومة فاستمتع»، أرادوا تسويق رأيهم بطريقة أخرى، بأن تأميم قناة السويس كان قرارًا متسرعًا بهدف لفت الأنظار فقط، وأننا كان يمكننا الانتظار حتى إنتهاء الامتياز سنة 1968 لتعود القناة بالكامل لمصر دون كل هذا العناء.

الجدل بين قرار التأميم وانتظار انتهاء الامتياز

ويختلط الأمر على الكثيرين، إذ إن حقوق الامتياز كانت تمثل 25% فقط منها10% تذهب لفرنسا و 15 % كان من المفترض أن تعود لمصر لكن الخديوي إسماعيل كان قد باعها سابقًا  للإنجليز، بينما بقية الأسهم تظل مدولة عالميا في بورصات العالم «شركة مساهمة عالمية» مملوكة لأفراد دوليين بشرط.

بالتالي يكون الادعاء بأن تأميم القناة لم يكن تطورًا في المجرى الملاحى لأن الامتياز سينتهى بعد عدة سنوات عاري من الصحة تمامًا، فشركة القناة كانت تعمل لصالح أصحاب الأسهم  سواء انتهى الامتياز أم لا والدليل على ذلك حفر تفريعة فاروق 1949 إذ كانت بداية لازدواج القناة.  

فشل خطة الملك لإدارة القناة

من جهة أخرى كان هناك من يتبنى الحل طويل المدى بشراء أسهم القناة لتصبح تحت إدارة مصرية بفرض الأمر الواقع، لكن هذا ما حاول فعله الملك فاروق بالفعل في عشرينيات القرن الماضي دون جدوى، إذ بدأ الشراء لأسهم القناة السويس لتمتلك مصر عند اندلاع ثورة يوليو 32 % فقط من أسهم قناة السويس، إضافة لـ 12% يمتلكها الأفراد ليصبح أجمالى الأسهم المصرية في القناة 44%، وكان مصر لها 4 أعضاء فقط  في مجلس أدارة القناة من أصل 9 أعضاء، وهو ما يجعل أمر الإدارة المصرية صعبًا، حتى مع وجود 100% من العمال وأكثر من 65% من المهندسين و المرشدين و الإداريين مصريين، فالقرار السياسي هو الأهم.

الظرف السياسي وقت التاميم كان إحدى العوامل المهمة أيضًا، ونحن لسنا بصدد تقييم حكم الرئيس عبدالناصر إيجابًا أو سلبًا، لكن لا يمكن رصد توابع قرار التأميم مجردًا من ظرفه السياسي، فتمصير وتأميم مجرى التجارة والصناعة الذي استأثر به الأجانب لم يكن بالأمر السهل على الإطلاق.

الانتصار السياسي بعد العدوان الثلاثي

بالرجوع إلى تاريخ إنشاء القناة، نجد أن الفراعنة قاموا بإنشاء قناة مشابهة تربط بين نهر النيل والبحر الأحمر عام 1850 ق.م، فالتفكير في ربط النيل بالبحر الأحمر والمتوسط كان ملحًا منذ زمن بعيد، ليأتي بعد ذلك المقترح الفعلي لبناء القناة عام 1854م من قبل فرنسا، ويكون ذلك بداية النزاع على القناة  إذ اعتبرت بريطانيا ذلك محاولة لهدم سيطرتها على حركة التجارة العالمية.

برزت أهمية ذلك المجرى الملاحي، حتى أنها ظلت محورًا للصراع العالمي طوال الوقت سعيًا من قوى العالم العظمى للسيطرة على المنطقة الاستراتيجية الهامة، فحجم التجارة العالمية التي تعبر من خلالها يتراوح ما بين 8%إلى 12% من إجمالي حركة التجارة العالمية.

اتخذت الدول العظمى قرار التأميم ذريعة للعدوان الثلاثي لكنها لم تكن السبب الرئيسي، فالرئيس عبدالناصر كان قد قرر قبل ذلك تنويع مصادر سلاح الجيش المصري وهو ما كان أمرًا مثيرًا وقتها أن ترغب مصر في التحرر من القبضة الأمريكية، مما أدى لفرض العقوبات عليها ومنع تمويل السد العالي رغبة في تعجيز الإقتصاد المصري.

تبع قرار التأمين اجتماع وزراء خارجية الدول الثلاث (أمريكا وفرنسا وبريطانيا) في لندن أغسطس 1956م، وأصدروا بيانًا عارضوا فيه قرار التأميم، وقالوا بأن القناة كانت لها دائمًا صفة دولية، وأنه يجب لهذا الغرض ضمان دوليتها بصفة مستديمة، واقترحوا عقد مؤتمر دولي للدول الموقعة على معاهدة الأستانة والدول الأخرى، وفي الوقت ذاته قامت حكومتا بريطانيا وفرنسا بعدد من الإجراءات العسكرية مثل دعوة الاحتياط، وتحركت قواتهما إلى شرقي البحر المتوسط.

الرد المصري كان واضحًا إذ رفضت حضور مؤتمر لندن واعتبرته تدخلاً في شؤونها الداخلية، وأبدى الاتحاد السوفيتي تأييدًا كاملاً للموقف المصري خاصة بعد تعهد مصر باحترام حرية الملاحة في القناة، وبدفع تعويض لحملة الأسهم.

العدوان الثلاثي يبدو للوهلة الأولى أنه هزيمة ساحقة، لكن ما تبعه من انتصارات مصرية على الجانب السياسي لا يمكن تجاهله، إذ صدر قرار جمهورى فى أول يناير عام 1957 بإلغاء اتفاق 19 أكتوبر عام 1954 بشأن قاعدة قناة السويس، ليحول دون عودة القوات البريطانية إلى قاعدة القناة.

تمصير وتأميم مجرى التجارة والصناعة الذي استأثر به الأجانب لم يكن بالأمر السهل على ، الإطلاق

مكاسب التأميم

عودة قناة السويس إلى مصر وتطهيرها وإعادة فتحها للملاحة فى 29 مارس 1957، ونجاح مصر فى إدارتها من جديد وتطويرها لصالح الملاحة الدولية، كان المكسب الأول لقرار التأميم وتبعه بعد ذلك مكاسب كثيرة مازلنا نحصدها إلى الآن.

فرض السلطة المصرية على القناة وتحولها لمرفق وطنى شجع الكثير من دول العالم الثالث على اتخاذ إجراءات مماثلة حيث جرت سلسلة من تأميمات المصالح الأجنبية فى هذه الدول، فأصبح تأميم شركة القناة سابقة هامة وقدوة لعشرات الدول.

المعركة المصرية في استرداد حقها الأصيل أصبح  رمزاً لكل حركات التحرير فى إفريقيا و آسيا، آخذين من كلمات الرئيس عبد الناصر «ان هذه القضية ليست قضية مصر فحسب ، بل هى قضية جميع الدول التى تناضل فى سبيل الحرية والاستقلال» شعارًا لهم، مما أدى إلى قيام الحركات المناهضة للأنظمة الموالية للدول العظمى الاستعمارية، ورفض هيمنتهاعلى مقدرات العالم الثالث.

امتدت المكاسب إلى وقتنا الحاضر، فالحديث عن إيرادات قناة السويس وما تمثله من أهمية في الإقتصاد المصري ليس أهم المكاسب المصرية، ففي سبتمبر 2013 أعلن الرئيس الصيني مبادرة جديدة تهدف لتعزيز التعاون الاقتصادي ودعم حركة التجارة من خلال إنشاء شبكة الممرات البحرية القديمة وخلق طريق الحرير البحري.

قناة السويس تعد ركيزة أساسية، من خلال وقوعها بين أهم محطتين ( أثينا – نيروبي) في الطريق البحري ضمن مبادرة الحزام والطريق، مما يجعل مصر مركزا استراتيجيا واقتصاديا مهما في المنطقة والعالم وسيفتح الطريق أمامها لشراكات وتحالفات اقتصادية مهمة تجعلها دولة فاعلة في التجارة الدولية ومعبرًا لمرور حركة التجارة من التنين الصيني لمختلف دول العالم، من خلال قناة السويس العالمية.

الدور المحوري للمجرى الملاحي في مبادرة الحزام والطريق، الذي يعظم بدوره الاستفادة المصرية  ويجعلها مركزًا لوجيستيا للسفن والبضائع،إضافة لزيادة عدد السفن المارة بالقناة ويحقق إيرادات إضافية من رسوم مرورها فضلا عن فرص العمل وتحقيق التنمية الاقتصادية.

المكاسب المصرية لم تكن لتتحقق لولا الصمود أمام السيناريوهات الرافضة للتأميم سواء كان ذلك بتدويل إدارة القناة، أو باغتصابها القناة بالقوة في العدوان الثلاثي الذي صمدت فيه القوات المصرية جيشًا وشعبًا دفاعًا عن حقهم الأصيل في إدارة القناة واستكمال مسيرة التنمية المستمرة إلى الآن.

ويبقى قرار التأميم، كعادة كل الأمور التاريخية، محل جدل بين مؤيد ومعارض وآخر يرى أنه كان من الممكن أن يتم بشكل أفضل لكن لا يستطيع أي من الأطراف أن ينكر حجم المكاسب التي جنتها مصر سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي وحتى المستوى الأمني والاستراتيجي.

هند الراوي : جمهور أوروبا مولع بالسيرة الهلالية ومدح الرسول

عبدالله رامي

في محلات العطور دائمًا ما توجد كأس صغيرة مليئة بالقهوة حتى إذا إختلطت في أنفك الروائح؛ فتقضي عليها رائحة البن، وتعود قادرًا على التمييز بينها، لكن للقهوة حكاية أخرى إذ كانت مشروب السهارى حول مغني الربابة عندما يشدو بحكايات بني هلال وأغاني التراث، وفي وقتنا الحاضر إزدحمت الأصوات وألوان الغناء على آذاننا فعادت علاقة الفلكلور بالقهوة، لكن ليجعلنا قادرين على تمييز الأصوات.

هند«الراوي» كما لقبها جمهورها، قررت أن تكون سفيرة للفلكلور المصري في العالم كله، تمثل المصريين بجميع طوائفهم وتروي حكاياتهم كما رواى النيل أرض الوادي، كما تتمني أن تصل بالتراث المصري للمهرجانات العالمية، قبل سفرها بساعات قليلة لإحياء إحدي حفلاتها في تونس كان لنا معها هذا الحوار

كيف بدأت رحلتك مع غناء التراث في الإسماعيلية؟

منذ طفولتي وأغاني التراث حاضرة في بيت العائلة، فجميع المناسبات العائلية كان يحيها المداحين، وحتى في الموت كان فن العديد موجودًا سواء في بيت عائلة والدي في الإسماعيلية أو عائلة والدتي القريب من طنطا، هذه الحالة جعلتني راغبة بقوة في الغناء بهذه الطريقة، لذلك قررت الدراسة في معهد الموسيقى العربية.

لكن الدراسة في معهد الموسيقى العربية لا تضمن دراسة الفلكور الشعبي؟

هذا ما أدركته بعد ذلك، وشعرت بأن هذا ليس ما كنت أحلم به من صغري، بالطبع استفدت من دراسة الموشحات العربية في المعهد، لكنني قررت الالتحاق بفرقة النيل للآلات الشعبية تحت إشراف المخرج عبدالرحمن الشافعي، ثم تعلمت بشكل مباشر من الحاجه فاطمة سرحان وجمالات شيحة وهو ما اختصر الكثير من الوقت في طريقي.

أغاني «المهراجانات» مجرد فوضى تحتاج لتوجيه..والتراث مازال قادرًا على المنافسة

وكيف كان تقبل الأهل في البداية لفكرة أن تكوني مغنية فلكور؟

الحقيقية والدتي كانت داعمة لي، لكن أبي كان رافض بشكل تام خاصة وأنه بدوي لا يعرف فكرة الاختلاط أو خروج بنت بمفردها، لذلك كان الأمر بالنسبة له بمثابة الخروج على العادات والتقاليد من ناحية وخوفًا على من ناحية أخرى، لكنني كنت مؤمنة بأن لدي ما أقدمه وتناقشت معه في الأمر كثيرًا حتى أصبح داعمًا لي بقوة لكن مع الأسف لم يحضر أيًا من حفلاتي إلى الآن.

أنت الآن المغني الرئيسي للفريق الفرنسي Orange blossom، فهل كان الوصول للعالمية أحد أهدافك أم أن الأمر جاء صدفة؟

بالتأكيد كان الوصول للعالمية حلم يراودني طوال الوقت، وأناغنيت في أوروبا مع فرقة مواويل، وبعد ذلك قررت الإنضمام لفرقة ناس مكان وغناء الفلكور مع استعراضات الزار، تزامن ذلك مع بحث الفريق الفرنسي عن أصوات مصرية للانضمام لها، والحمدلله تأهلت في إختبارات الأداء مع الفرقة وسجلت معهم ألبومي الأول والثالث بالنسبة لهم وأنا الآن بصدد تسجيل ألبومي الثاني معهم.

خلال حفلاتك في أوربا، ماذا عن تقبل الجهور الغربي لغناء الفلكور الشعبي للغة لا يفهمها؟

أوروبا كانت طوال الوقت حاضنة للفلكور المصري، فقبلي غنى متقال و جمالات شيحة وغيرهم الكثير، لذلك لم أواجه صعوبة أمام جماهير أوروبا في أي من البلاد التي غنيت فيها لأنهم دائمًا متشوقين لسماع التراث المصري، ودائما ما يتم استقبالي بحفاوة بالغة فور صعودي على المسرح بالجلابية الفلاحي، والحقيقة أنا أرى أن ذلك أمرًا طبيعيًا حتى قبل الغناء، لأنني أمثل بالنسبة لهم النيل والأهرامات وأحمل الملامح المصرية لكيليوباترا ونفرتيتي، حتي أنهم أطلقوا على «صوت فرعون».

وما الأغاني التي تجذب مسامع الجمهور الأوروبي؟

دائمًا ما يزداد تفاعلهم مع أغاني السيرة الهلالية ومديح الرسول، حتي أنهم كثيرًا ما يخرجون من الحفلات كالمجاذيب يرددون مدد ..يا مدد.           

كان للجمهور دور كبير في إطلاق كثيرًا من الألقاب عليك، فما اللقب الذي يمثلك؟

أعتز جدًا بأن أصبح سفيرة للفلكور المصري، ويسعدني أيضًا أن يطلق على الجمهور في أوروبا «سمراء النيل» أو«صوت مصر»، لكن في إحدى حفلاتي مع فرقة النيل في بيت السحيمي وقف شخص وأخذ يصيح راوي ..راوي، ومن يومها أصبحت هند الراوي وأحببت هذا اللقب لأنه من صميم التراث الشعبي، وأنا طوال الوقت يشغلني أن أروي تلك الحكايات النابعة من طين هذا البلد.

يرى البعض أن التوجه لغناء التراث والفلكور هو الطريق الأسهل للحصول على الشهرة الفنية، فما رأيك؟

بالعكس أعتبره طريق صعب جدًا، لأن الجمهور لا يتقبله بسهولة خاصة في وقتنا مع وجود الكثير من ألوان وطرق الغناء المختلفة، بالإضافة لأن الأمر يتطلب تقمص الشخصية التي أغني بلسانها، سواء كانت نوبية أو بدوية أو فلاحة، كما أن البحث في التراث عن الأغاني أمر ليس سهلًا.

بذكر ألوان الغناء الكثيرة التي نشهدها اليوم، هل الفلكور الشعبي قادرًا على المنافسة والاستمرار؟

طبعًا ولكن بشرط التطوير المستمر للصوت والموسيقى، فمن غير المعقول أحمل ربابة أو آلات بسيطة في ظل ذلك التطور الهائل في الآلات عالميًا وأقول أن الفلكور لا يستطيع المنافسة، بالإضافة إلى أن هناك شريحة كبيرة من الجمهور يستهويها سماع الفلكور، وأنا أستهدف هذه الشريحة.

هل ذلك هو سبب التعديلات الموسيقية المصاحبة أثناء غناء الفلكور؟

أنا دائمًا ما أضفي طابعي الخاص على أغني الفلكور بهدف أن يصل لجميع الطبقات فأحيانًا أغير المقام خاصة في حفلاتي بالخارج لذلك أقدم الفلكور المصري في القالب الموسيقي الغربي الذي اعتادوا عليه.

في الماضي كان غناء الفلكلور معبرًا الطبقات الشعبية والمتوسطة، لكن الآن ومع ظهور المهرجانات يرى البعض أنها سحبت بساط الجماهيرية من الفلكلور فما ردك على ذلك؟

أنا لست ضد المهرجانات فهو صوت جديد لكنه يحتاج إلى توجيه وتعليم لنخرج منه فنًا يعبر عن تلك الفئات لكنه الآن مجرد فوضى، أما بخصوص جماهيرية الفلكور الشعبي فأنا بحكم تجربتي أرى أنه يجذب جميع طبقات المجتمع، خاصة وأن الناس أصابها الملل من الجديد والصخب ودائمًا ما يصيبهم الحنين للماضي.

من خلال تجربتك في الكثير من فرق الفلكلور الشعبي في مصر، في رأيك ما أهم المشاكل التي يواجهها فن الفلكلور؟

قلة الدعم المعنوي والمادي هي أهم المشاكل التي يواجهها الفلكور، كما أن جميع الأوساط الثقافية تغلب عليها الشلالية والمصالح وهو ما يجعلها بيئة غير ملائمة للإبداع وملاحقة التطور السريع في الفنون حول العالم، لكنني أجد أن كل شخص خائف من تعليم غيره حتى لا يتفوق عليه، فأنا مثلا حتى بعد أن اختارتني الدكتورة إيناس عبد الدايم، وقت أن كانت  رئيس دار الأوبرا المصرية لأمثل الإسماعيلية في مؤتمر الشباب أمام الرئيس، لا أحد يطلبني لإحياء الحفلات، إضافة لأنه في غياب الدعم يصبح تنظيم حفلة أو مشروع فني مكلف كثيرًا.

مع وجود هذه المشاكل والعقبات ما الذي يغذي شغفك لإكمال الطريق؟

الحقيقة أنا الفلكلور عندي ليس مجرد مهنة أمتهنها لكنه أسلوب حياتي بالكامل، فأنا أغني لأستمتع في المقام الأول.

دائمًا ما يصحب الغناء الفلكلوري أزياء خاصة واستعراضات فنية فما كواليس الإعداد لها؟

كل الكواليس تكون تدريبًا على الغناء فقط، فما أرتديه في حفلاتي يكون من اختياري أنا دون مساعدة أحد، وأحاول دائمًا المزج بين ملابس الفلاحين والبدو والنقوش النوبية لأعبر عن الشخصية المصرية بطوائفها المختلفة، أما الاستعراضات فتأتي وليدة اللحظة والحالة التي أعيشها وقت الغناء.    

هل يمكن أن تتعاوني مع أحد الشعراء بدلًا من الإكتفاء بغناء الفلكلور فقط؟

أنا لا أكتفي بالفلكلور فقط فأنا أحيانًا أكتب أغاني وألحنها مع فريقي الفرنسي، وإذا وجدت من يكتب بنفس تكنيك الفلكلور لن أتردد بالطبع.

البعض يرى تناقض بين ما حققتيه من شهرة عالمية وبين رغبتك في التواجد دائمًا بحفلاتك في مصر؟

أعتقد أن التناقض سيكون لوحدث غير ذلك فمن غير المعقول أن أقدم التراث والفلكلور المصري دون التواجد في مصر ذاتها، ومن ناحية أخرى لو لم أفعل ذلك سأتحول مع الوقت لمغنية غربية وأفقد هويتي.

ما مشاريعك القادمة في مصر؟

مشروعي القادم هو «مصر كلها»، فأنا أحاول تجهيز بيتًا متنقلًا أطوف به مصر بالكامل من الإسماعيلية وحتي أقصى الجنوب في عمق النوبة مرورًا بالواحات لألتقي جميع الفرق التي تغني التراث بكل اللهجات المصري، وذلك لأستفيد من تجاربهم في الغناء ولتوصيل صوتهم في نفس الوقت وأنقل هذه التجربة بشكل مصور من خلال معايشة كاملة مع جميع فرق التراث المصرية، لكن بالطبع الأمر يحتاج لتمويل كبير.